العودة وإعادة الإعمار ليست قضية فرعية ضمن مجموعة قضايا أخرى، بل هي القضية. هي وأولوية الأولويات، وهي التي تحدد السياسات والخيارات وليس العكس. فالتهجير ودمار القرى ليسا “تفصيلا تاريخيا ثانويا”، ولا “حدثا عابرا في هامش التاريخ”، بل محطة تأسيسية يُعاد عبرها رسم السياسة، ويتحدد على أساسها مستقبل المناطق الحدودية ومعادلات الاستقرار. .فكل ما يؤدي إلى العودة وإعادة الاعمار، يجب أن يكون وكل ما يعيقهما يجب ان لا يكون.
وتزداد أهمية هذه الاولوية في ظل واقع صعب تشكّل بعد الحرب. فالنتيجة العسكرية واضحة: موازين القوى مختلة بشكل غير مسبوق، والواقع الميداني القائم لا يسمح بتوقّع نتائج سياسية أفضل. لا يمكن إنتاج مسار سياسي مختلف عندما تكون المعطيات العسكرية عاجزة عن فرض شروط جديدة. وهذه ليست خلاصة سياسية بل اعتراف معلن من حزب الله نفسه حين يؤكد أنه لا قدرة عسكرية على فرض انسحاب أو وقف للاعتداءات عبر الخيار العسكري، بل أقصى ما يطالب به العودة إلى التطبيق الكامل لوقف الأعمال العدائية.
وانطلاقا من هذا الواقع، لا يمكن تجاهل الأسئلة الأساسية التي يفرضها الوضع الحدودي: كيف يمكن حماية الحق في البقاء على الأرض؟ وكيف يمكن منع العدو من تحويل النزوح المؤقت إلى حالة شبه دائمة؟ وكيف يمكن وقف الاعتداءات اليومية في ظل ميزان قوى لا يتيح فرض أثمان على الطرف الآخر؟ وما هو البديل العملي عن المسارات السياسية القائمة، ما دام الخيار العسكري غير قادر على تحقيق العودة أو تثبيت معادلة ردع جديدة؟
هذه الأسئلة ليست نظرية، بل مرتبطة مباشرة بممارسات إسرائيل التي تعمل بوضوح على إعاقة العودة عبر توسيع هامش عدم الأمان، واستمرار الاعتداءات، وتثبيت واقع ميداني يريد تحويل النزوح إلى أمر واقع طويل الأمد. فالوقائع اليومية تشير إلى نزوح مستمر، وانحسار بطيء للحياة، واستنزاف متدرج للقرى الأمامية.
نعم الواقع صعب جدا، ونحن كمجتمع لسنا ابدا في أفضل ظروفنا واضاعة الوقت واستمرار الحال على ما هو عليه ليس لصالحنا. من هنا تظهر الحاجة إلى رؤية سياسية وطنية واقعية تضع العودة والإعمار في صلب الأولويات، بدلا من الطروحات غير القابلة للتطبيق أو الخطابات التي لا تقدم بديلا واضحا. فرفض أي مسار أو آلية تفاوضية يفرض بطبيعته تقديم تصور بديل قابل للتنفيذ، يجيب بوضوح عن الأسئلة الثلاثة: كيف تتحقق العودة؟ كيف تُحمى المناطق الحدودية؟ وكيف تُوقف الاعتداءات اليومية ضمن ميزان القوى الراهن؟
وعليه، يبقى أن تثبيت الحق في العودة وإعادة إعمار ما تهدم لا يتحققان إلا عبر قرار سياسي واضح تتخذه الدولة وحدها، يستند إلى المصلحة الوطنية ومتطلبات حماية الأرض والسكان. فالعودة والإعمار ليسا شعارا، بل مسارا سياسيا طويلا يعكس موازين القوى ويحتاج إلى رؤية، وقدرة، وإدارة مسؤولة.
