أنثروبولوجيا الاضطراب: التفكير الاستراتيجي في الأزمنة ما بعد العادية

منذ أن فقد الزمن انتظامه، والعالم يتقلب بين فوضى المعنى واستقرار الوهم. لم يعد التاريخ يسير على خط مستقيم كما اعتقدت الحداثة، ولا التغيير ينتظم في دورات كما تصوّر ألفين توفلر في الموجة الثالثة. فالمستقبل الذي تنبأ به توفلر كموجة قادمة أصبح الآن محيطًا مضطرباً تتصادم فيه الموجات بلا اتجاه. هنا، في قلب هذا الاضطراب، يظهر ما سمّاه ضياء الدين ساردار بـ«الأزمنة ما بعد العادية»؛ لحظة يتعذر فيها التنبؤ، وتختلط فيها المعرفة بالإرباك، ويصبح اللايقين جزءا من هوية العالم.

لم يعد النظام الدولي يتحرك وفق قواعد ميزان القوى أو منطق الردع، بل وفق ديناميات معقّدة لا يمكن نمذجتها. الاقتصاد ينهار بسبب إشاعة رقمية، والسياسة تهتز بتغريدة، والذكاء الاصطناعي يولّد عوالم معرفية موازية تسبق قدرتنا على فهمها. في هذه البيئة السائلة، يتراجع العقل الخطي الذي أسّسته الحداثة لصالح عقلٍ فوضوي تأويلي يحاول النجاة في محيطٍ من الأحداث غير القابلة للتنبؤ.

يشبّه ساردار هذا العصر ببحرٍ يعجّ بـ «وحوش ما بعد العادية»، رموزا معرفية تمثل أنماطا مختلفة من الاضطراب. ليست هذه الوحوش خرافية، بل حقيقية بقدر ما هي استعارات للفوضى التي تحكم واقعنا.

تتحرك البجعة السوداء في السماء كظلٍّ لحدثٍ نادرٍ يغيّر كل شيء دون سابق إنذار، يهبط على الأنظمة كالزلزال فيعيد تشكيلها. في المقابل، يقف الفيل الأسود في منتصف الغرفة، واضحاً وضخماً، لكن الجميع يتجاهله خوفاً من الاعتراف بما قد يترتب على رؤيته. أما قنديل البحر الأسود فيطفو في المياه، شفافاً وغامضاً، لا شكل له ولا مركز، يلسع من يحاول الإمساك به، وهو رمز الفوضى المتغيرة التي لا تستقر على معنى أو نظام.

تبدأ السردية مع البجعة السوداء، ذلك الكائن الذي وصفه نسيم نيقولا طالب كرمز للأحداث غير المتوقعة التي تعصف بالمنظومات العقلانية. لم تعد هذه البجعة نادرة كما كانت في السابق؛ لقد أصبحت مألوفة في زمنٍ تتسارع فيه الصدمات بوتيرةٍ تجعل المفاجأة هي القاعدة. فالجائحة، والهجمات السيبرانية، والاختراقات التقنية، كلها بجعٌ سوداء تهاجم من الفراغ، تكسر التوازن وتفرض إعادة بناء المعنى. في الاستراتيجية، لم يعد المهم منع الصدمة، بل إدارة ما بعد الصدمة، لأن الفعل الوقائي يفترض القدرة على التنبؤ، وهذه القدرة انكسرت مع انكسار المنطق الزمني ذاته.

يتبعها الفيل الأسود، الحيوان البطيء الذي نعرف وجوده لكننا نغضّ الطرف عنه. إنه يرمز إلى الإنكار البنيوي داخل الأنظمة السياسية والاقتصادية التي ترى الخطر لكنها تتواطأ على تجاهله. تغيّر المناخ، الأزمات المالية المتكررة، سباق الذكاء الاصطناعي، كلها أفيال سوداء تمشي بخطى محسوبة نحو لحظة الاصطدام. في عالم ما بعد العادية، لا تنشأ الكوارث من المفاجأة، بل من العجز عن الاعتراف. فالخطر لم يعد مجهولاً، بل أصبح معروفاً لدرجة أن حضوره يُقلق النظام فيختار إنكاره. هنا، يُصبح الإنكار نفسه سلوكاً استراتيجياً للحفاظ على استقرار هشّ لا يدوم.
ثم يأتي قنديل البحر الأسود، أكثر الوحوش سيولةً وغموضاً. إنه ليس حدثاً، بل بيئة؛ ليس أزمة، بل حالة دائمة من الارتباك. هذا القنديل هو رمز التحول المعرفي الذي أذاب الحدود بين الحقيقة والوهم، بين الواقعي والافتراضي. فحين يتكاثر الذكاء الاصطناعي التوليدي، وتغمر البيانات فضاء القرار السياسي، يتراجع الإدراك الإنساني لصالح خوارزميات تتعلم من فوضاها. وهكذا، لم يعد التهديد واضحاً كالسلاح أو الجيوش، بل مائعاً كالبيانات، يتسلل إلى نسيج الوعي الجمعي فيعيد تشكيله دون أن يُعلن حرباً.

في مواجهة هذه الوحوش، يجد الفكر الاستراتيجي نفسه أمام مفارقة عميقة: كيف يمكن بناء نظامٍ في عالمٍ يرفض النظام؟ كيف يمكن تصميم خطة في بيئة لا يمكن التنبؤ بها؟ الإجابة ليست في العودة إلى أدوات الحداثة، بل في إعادة تعريف الاستراتيجية ذاتها بوصفها فناً للتكيّف مع اللامتوقع لا للسيطرة عليه. فبدلاً من هندسة المستقبل، يصبح المطلوب هندسة المرونة؛ وبدلاً من عقلنة الأحداث، يصبح الهدف احتواؤها دون أن نفهمها تماماً.

تتحول الاستراتيجية هنا من منطق الردع إلى منطق الصمود، ومن الاستقرار إلى المرونة، ومن السيطرة إلى التعلم المستمر. فالقوة في زمن ما بعد العادية ليست امتلاك الأدوات، بل القدرة على إعادة ابتكار الذات عند كل صدمة. المؤسسات التي تنجو ليست الأكثر تنظيماً، بل الأكثر قدرة على التكيّف، كما في نظرية النظم المعقّدة حيث البقاء للأكثر مرونة لا للأقوى.

لقد تغير تعريف الأمن ذاته. لم يعد الأمن تحصيناً ضد الخطر، بل إدارةً للانهيار حين يقع. ولم تعد المعرفة وسيلة للسيطرة، بل آلية للبقاء داخل الفوضى. وفي هذا الإطار، يصبح الوعي بالوحوش شرطاً للفهم الاستراتيجي الجديد: أن ندرك أن البجعة السوداء قادمة لا محالة، وأن الفيل الأسود يقف خلف الجدار، وأن قنديل البحر الأسود يحيطنا من كل الجهات.

هذه الوحوش ليست تهديداً فقط، بل مرآة للمرحلة الحضارية التي نعيشها. إنها تمثّل الحقيقة المجرّدة لعصرٍ أصبح فيه الاستثناء هو القاعدة. فحين تتلاشى الحدود بين الممكن والمستحيل، يصبح التفكير الاستراتيجي ذاته فعلاً وجودياً، يوازن بين الفوضى والوعي.

في النهاية، لا يمكن قتل هذه الوحوش لأنها ليست خارجة عن النظام، بل هي النظام نفسه وقد تبدّل وجهه. البجعة السوداء تعلّمنا أن الصدمة هي المعلّم الأكبر، والفيل الأسود يحذّرنا من الغرور الإداري الذي يغمض عينيه، وقنديل البحر الأسود يذكّرنا أن الحقيقة لم تعد ثابتة بل عائمة.

في الأزمنة ما بعد العادية، لا ينجو من الفوضى من يملك القوة، بل من يمتلك الخيال الاستراتيجي الذي يرى في كل اضطرابٍ بنية جديدة قيد التشكل. فالفوضى ليست النهاية، بل اللغة الجديدة التي يتحدث بها المستقبل“.