رضا الناس غاية لا تدرك..

تأمّلتُ اليوم عبارةً بدت لي بادئ الأمر عاديةً، ثم أسقطتُها على معظم مشكلاتنا الفكرية والسلوكية اليومَ فأفزعتني. تقول إنّك ما دمتَ فرحًا بالمدح، غاضبًا من الذمّ، فأنتَ ما زلتَ “عبدًا”. وفكّرتُ في أن أسوأ أشكال العبودية الحديثة التي فرضها علينا هذا العصر هو عبوديّتنا للآخرين، لآرائهم وتصوّراتهم، وما نظنّ أنّهم يظنّونَه عن أفكارِنا وآرائنا وتصوّراتِنا. وانسحبَتْ هذه الفكرة في ذهني على حقيقةٍ أخطَر، وهي أنّ عبادتنا للتيّار أحيانًا، وللفكرة السائدة، وللشعارِ المألوف، ولما نعتقدُ كونَه مبدأً ثابتًا، ما هو إلا وجهٌ من وجوه عبودية المجتمعِ والآخرين، وما يطمئنّ بهِ إلينا الآخرون.

من علاماتِ الذكاء الشديد التي تجدُها اليومَ في قلّةٍ من البشر هي القدرةُ الدقيقةُ على التمييز والتصنيف. فالأذكياء عادةً ما يُحسنون بناءَ الأفكار أو نقدَها بعيدًا عن تشويشِ أصواتِ المحيط. وهذا المستوى من التمييز يتطلّب بطبيعته فرزًا دقيقًا لأنواع البشر ومستوياتهم العقلية والفكرية وخلفيّاتهم الثقافية -وطبيعة وعمق اختصاصاتهم العلميّة في بعض الحالات-، قبلَ بناءِ آرائنا وفقًا لآرائهم وأحكامهم، تلكَ الصادرةِ بطبيعة الحالِ عن تباينهم، ودوافعهم، وبيئاتهم، وانتماءاتهم، بل ومشكلاتهم النفسيّة المعقّدة والمركّبةِ في كثيرٍ من الأحيان.

الطرماحُ كانَ شاعرًا أمويًا ألمعيًا، وصفَ هذه القدرةَ على فهمِ الذات والآخرين وصفًا جميلًا حين كتب:
“لقد زادَني حبًا لنفسيَ أنّني.. بغيضٌ إلى كل امرئٍ غيرِ طائلِ..
وأنّي شقيٌّ باللئامِ ولا ترى.. شقيًا بهم إلا كريمَ الشّمائلِ..
إذا ما رآني قطَّعَ الطرفَ بينه.. وبينيَ فعلَ العارفِ المُتجاهلِ…”
إلى آخرِ قصيدته من حكمةٍ تعرفُ بها أصولَ إنزالَ النفسِ منزلتَها، والآخرينَ منازلهم، قبلَ أن نحكّمهم في كياننا ووعينا، أو نجعلهم معيارًا لصوابِنا وخطأنا.
إلى هذا أشارَ أيضًا ابنُ المقفّعِ في أدبه الكبير، فتساءَل: “وما حاجتُكَ إلى رضا من رضاهُ الجور، وإلى موافقةِ من موافقتهُ الضّلالةُ والجهالة؟”..

يحاول المجتمعُ اليوم أن يستعبدَ نفسَه بسرقةِ هذه الحريّة النفسيّة والفكريّة من أعضائه، فرادى ومجتمعين. لأنّ المجتمعاتِ المأزومةَ عادةً ما تعتاشُ -بشكلٍ حرفيّ- على تبعيّتكَ واستسلامكَ للفكرةِ العامّة التي يرتاحُ إليها الجميع ويفهمونها. ويشيرُ إلى هذه الطبيعةِ البشرية الجماعية المُظلمة آرثر شوبنهاور: “إنّ أكثرَ ما يكرهه القطيعُ هو إنسانٌ يفكّر بشكلٍ مختلف، وهم لا يكرهونَ في الحقيقةِ رأيَه، ولكن يكرهونَ جرأة هذا الفردِ على امتلاكِ الشجاعة للتفكير بنفسه ليكون مستقلًا برأيه.”
فاستقلالُ هذا الفردِ أو ذاك، يكشفُ للمجموعِ ضعفَهم أمام حريّةٍ لم يجرؤوا بدورِهم على تخطّي حدودهم نحوَها، وعجزهم عن مقارعةِ فكرته بفكرةٍ أخرى لا يستطيعونَ اجتراحها.

لننتبه إلى الخطورةِ الحقيقية هنا: مجتمعٌ من هذا النوع لا يمكن إلا أن يقودَ نفسه كل مرةٍ إلى هلاكٍ محتوم. يحضرني رمزُ “دلو السرطانات” الذي هوَ بحد ذاته نظريةٌ في فهم السلوك البشريّ الجماعيّ، هناكَ حيث يحاول أحد السرطانات في دلوِ الطهوِ الخروجَ منه، والتسلّقَ نحو عنقه، فيشدّه الآخرون ويسحبونَه معهم إلى القاع، مانعينَ إياه من النجاة، أو حتّى من مجرّدِ التطلّع إلى فرصةٍ للنجاة. هذه العقلية هي التي تنتجُ ذاكَ التكرارَ السّقيمَ للجهلِ الخامِ واللامبالاة، والجمودِ الفكريّ والعقليّ. تكرارٌ وترديدٌ يضاهي فكرةَ الموت، بل هو في بعض الأحيان مقدمةٌ ثابتةٌ نتيجتها المنطقية الحتمية هي الموت، معنىً ومجازًا، وحقيقةً نشهدها بكل حواسّنا كل يوم.

لكل ذلكَ لم يكن قولُ ابن القيّم المشهور: “رضا النّاسِ لا مأثورٌ ولا مأمورٌ ولا مقدور”، مجرّدَ صياغةٍ مسجوعةٍ لفكرةِ أنّ رضا الناسِ غايةٌ لا تدرَك. بل هيَ قاعدةٌ شرعيّة، تاريخيّة، إلهيّة. إن لم تفهمها وتُدركها مبكرًا كانَ إرضاءُ الغيرِ انتحارَكَ البطيء، وتعفّنَ دماغكَ الحقيقي، وشركَكَ الخفيّ، وخيانتَكَ لذاتك، لا تنالُ بعدَه رضا أحدٍ من الناس، ثمّ تفقدُ نفسكَ وعقلَك، وامتيازاتِ بشريّتكَ إلى الأبد.