تحوّل النقاش حول سلاح “حزب الله” من ملف داخلي لبناني إلى رأس جبل جليد لمعادلة إقليمية ودولية يجري تكريسها بصمت وصخب في آن. بين الأصوات المطالبة بنزع السلاح بوصفه ضرورة لاستعادة هيبة الدولة، وتلك الرافضة له باعتباره خطّ الدفاع الأخير في وجه إسرائيل، يتكشّف أن المسألة لم تعُد مرتبطة فقط بمنطق القوة أو بمنظومة السيادة، بل باتت جزءاً من مشروع أوسع، يُراد فيه وضع اليد على ما تبقّى من القرار اللبناني، تحت مسمّى الإصلاح، فيما جوهره إعادة تركيب المشهد الإقليمي.
صحيح أنّ ثنائية السلاح والدولة لم تكن يوماً مستقرة، وأنّ احتكار القوة بيد الدولة هو شرط دستوري وكياني لأي نظام ديمقراطي، إلا أنّ طرح هذا الملف الآن، وتحت هذه الظروف الإقليمية شديدة الالتهاب، يُثير شكوكاً عميقة حول خلفيات التوقيت ودوافعه الحقيقية.
ففي وقت تواصل فيه إسرائيل انتهاكاتها اليومية للأجواء والسيادة اللبنانية، وتُمعن في التصعيد جنوباً، وتبقي يدها على الزناد ضدّ المدنيين والبنى التحتية، يطفو فجأة قرار رسمي يقضي بحصر السلاح بيد القوى الشرعية، متجاهلاً أنّ هذه القوى نفسها محرومة من أبسط مقومات الدفاع، وممنوعة فعلياً من أداء وظائفها الدفاعية بسبب موازين قوى مفروضة لا محلية.
لم يكن مستغرَباً، إذاً، أن تتحوّل الجلسة الأخيرة لمجلس الوزراء اللبناني إلى مشهد انقسامٍ مستتر، توارى خلفه انسحاب وزيري الثنائي الشيعي بعد مشاركتهما في النقاشات. انسحاب لم يُرفق بمقاطعة ولا باستقالة، وكأنه تسجيل موقف أكثر منه اعتراضاً فعلياً، في وقت تمضي فيه الحكومة إلى إقرار القرار الأخطر في تاريخ ما بعد الحرب اللبنانية.
في خضم هذه الوقائع، كشفت تقارير صحافية دولية عن خيوط المشروع الحقيقي الجاري نسجه. فصحيفة “لوموند” الفرنسية حذّرت من أن نزع السلاح في هذا الظرف لن يُفضي إلى تعزيز سلطة الدولة، بل إلى تعزيز وصاية جديدة بثوب قانوني. أما وكالة “رويترز” فذهبت أبعد في تحليلها، معتبرة أن واشنطن تسعى من خلال هذا القرار إلى إعادة هندسة التوازنات الداخلية اللبنانية، بما يجعل من نزع سلاح الحزب رأس جسرٍ لتكريس نفوذٍ إسرائيلي غير معلن.
فمنذ عام 2006، شكّل القرار 1701 مظلّة هشّة لوقف إطلاق النار، لكنه لم يحمِ الجنوب من الخروقات الإسرائيلية المتكرّرة، ولم ينجح في ضبط الاشتباك بما يكفل حماية لبنان. والآن، يُراد لهذا القرار أن يتحوّل إلى غطاء لعملية سياسية – أمنية أشمل، تمتد من نزع السلاح إلى نزع السيادة، وتُدار بالتوازي مع ترتيبات تهدف إلى إدخال لبنان في مدار اتفاقيات أمنية غير معلنة.
ما يجري، باختصار، ليس عملية إصلاح داخلية بل عملية تدويل مقنّعة، يُراد لها أن تُمأسس الشرخ الداخلي وتُعيد رسم خريطة الولاءات تحت عناوين سيادية. ولا يمكن لأي عاقل أن يرفض فكرة الدولة أو مبدأ السيادة. لكن السيادة لا تُستعاد بإملاءات خارجية، ولا تُحصّن بخنق التوازنات الهشة في لحظة انفجار إقليمي غير مسبوق.
إنّ نزع السلاح، إن كان لا بدّ منه، لا يجب أن يتحوّل إلى أداة لمصادرة القرار الوطني. ولا يجب أن يكون قراراً جزئياً يُتّخذ بمعزل عن رؤية أمنية شاملة، تُحدّد من هو العدو ومن هو الصديق، وتوفّر بديلاً دفاعياً حقيقياً. أما أن يجري تسويقه كمفتاح للإنقاذ، في حين هو فعلياً بوابة لشرعنة مشروع الوصاية الجديدة، فذلك يعني أنّنا أمام لحظة شديدة الخطورة.
التحذير اليوم لا يصدر من محور واحد، بل من كل من يخشى أن يُؤخذ لبنان رهينة في مفاوضات لا يُستشار بها. وإذا كان بعض الداخل اللبناني قد قرّر أن يُراهن على الوعود الدولية والمال السياسي، فعلى الآخرين أن يرفعوا الصوت لتثبيت الحقائق: نحن لسنا ضد الدولة، بل نحن ضد مصادرتها. لسنا ضد السلاح، بل ضد احتكاره من طرف واحد. ولسنا ضد نزع السلاح، بل ضد نزع الوطن.
