لطالما شكلت السيادة في لبنان عبئا” على سلطة تتقاسمها قوى داخلية وخارجية لصالح تحالفات إقليمية ودولية ، لعبت فيها التركيبة الطائفية دورا” حاسما” في صياغة مفهوم “المصلحة الوطنية” لتجعل منه مفهوما” هشا” لا يتجاوز حدود الطائفة أو الزعيم.
في هذا السياق تتصادم الإرادة الوطنية بين الحاجة إلى بناء دولة من جهة وبين عدم المساس بتوازنات طائفية هشّة ومواجهة شبكات الإقتصاد الأسود من جهة أخرى . هذا” الرّهاب ” من ممارسة السيادة جعل من السّلطة أداة تعطيل لصالح نفوذ غير شرعي ومن مؤسسات الدولة ستارا” لتغطية ممارساتها على المسرح السياسي.
السيادة وفق المفهوم الكلاسيكي ، هي قدرة الدولة على فرض سلطتها القانونية والسياسية والإقتصادية على أراضيها ،دون تدّخل خارجيوبما يضمن المصلحة العامة للمواطنين. لكن في دولة مأزومة مثل لبنان تخضع السيادة لتحديات داخلية وخارجية ، ما يجعلها “غير مكتملة ” أو مجتزأة ” بفعل إرتباطات خارجية واعتبارات طائفية .
بين السيادة النظرية والتفكك العملي
رغم تموضع لبنان ضمن المنظومة الدولية وعضويته الكاملة في الأمم المتحدة، ظلت سيادته حبيسة النصوص، بعيدة عن التطبيق العملي في إدارة الدولة. فالمسارات الحاكمة تُرسم وفق التفاهمات الطائفية لا وفق منطق الدولة، ما أدى إلى تفكك واضح في البنية السياسية والإدارية والأمنية.
السيادة السياسية :دولة خاضعة للتوازنات الخارجية
منذ نيله الإستقلال ولد لبنان رهينة لتحالفات دولية وإقليمية حولته إلى مرآة للخلافات الداخلية ،تجلت في أزمات تشكيل الحكومات و إنتخاب رئيس جمهورية وتعطيل السياسات العامة حيث أنّ القرار السيادي مسلوب وموزّع على مراكز النفوذ الطائفي والمذهبي التي تدين بالولاء لقوى خارجية.
السيادة الأمنية: السلاح بين يد الدولة والدويلات
تتمثل أخطر تجليات رهاب السيادة في غياب احتكار الدولة للسلاح حيث أنتج وجود قوى مسلحة خارج المؤسسات الشرعية سيادة مسلوبة وأضعف الثقة بالأمن الوطني وأعاد النظر بمفهوم الإقتصاد الأمني بحسب تقرير صادر عن مجموعة الأزمات الدولية فإنّ لبنان يضمّ أكثر من ١٧ كيانا” أمنيا” وعسكريا” غير رسمي يتفاوت نفوذها بين طائفة وأخرى ما يكرّس واقع الدويلة داخل الدولة.
السيادة الإقتصادية: الدولة تخلي الساحة لإقتصاد الظلّ
يقدّر الإقتصاد غير الرسمي بنسبة ٤٥% من الناتج المحلي اللبناني ( IMF ,2024) ، التهريب عبر الحدود ، غسيل الأموال ، الإقتصاد النقدي والمنظمات الدولية والجمعيات التي تدير جزءا” من الخدمات …كلها مؤشرات تدل على تآكل السيادة المالية والنقدية إلى جانب اقتصاد ظل مناطقي طائفي خارج حدود الرقابة.
السيادة الإدارية : المنظمات الدولية تسد فراغ الدولة
في ظل الإنكشاف الأمني وتراجع قدرة الدولة على تقديم الخدمات الأساسية أصبحت المنظمات الأممية بديلا” عمليا” للدولة في القطاعات الحيوية بما فيها البنى التحتية .
بحسب تقرير البنك الدولي (2024) حوالي ٣٨% من الخدمات الإجتماعية في لبنان ، يديرها شركاء دوليون أو منظمات دولية غير حكومية ما يطرح تساؤلا” حول استقلال القرار الوطني في ظلّ أحد أوجه القوة الناعمة.
في الأسباب:
تبقى السيادة اللبنانية رهينة توازنات هشة بحكم نظام محاصصة جعل من أي قرار سيادي مشروطا” بتوافق زعماء الطوائف ما قوّض مفهوم السيادة وأضعف سلطة الدولة لصالح مرجعيات طائفية تمارس نوعا” من “السيادة البديلة”.
الإرتهان للمساعدات الدولية:
جعلت أزمة ٢٠١٩ من لبنان دولة ترتكز سياساتها على المساعدات والقروض المقيدة بشروط دولية ما جعل من السيادة الإقتصادية موضوع تفاوض وليس قرار سيادي ، كشروط البنك الدولي لإقرار الإصلاحات تعكس فقدان الدولة لسيادتها في رسم سياستها المالية.
تضارب الولاءات والإنتماءات السياسية الخارجية
ارتبطت الملفات الداخلية اللبنانية بتوازنات إقليمية وكانت انعكاسا” للإمتداد الإقليمي للأحزاب والتيارات السياسية ، فكيف يمكن الحديث عن سيادة وطنية في بلد تنقسم فيه الولاءات إلا للوطن الواحد.
التكيف الإجتماعي مع غياب الدولة
بثقافة “التدبير” خارج نطاق خدمات الحكومية والتكيف بهذه المبادرات أصبحت المطالبة بالسيادة أقل أولوية من ” الفردية ” .
في التداعيات :
أمام هذا الواقع المتداخل الذي تراجعت فيه الدولة أمام منطق الطوائف، وتعددت فيه مراكز القرار، بات غياب السيادة ممارسة يومية لا استثناء ظرفي. ومع تعمق هذا الخلل، بدأت تظهر تداعيات خطيرة تمس جوهر الكيان اللبناني، وتضرب أسس الدولة ومقوماتها السيادية.
تعميق اللاعدالة
إنّ توزيع الخدمات على أساس الولاء السياسي أو الطائفي يكرس تهميش فئات إجتماعية وتعميق اللاعدالة.
تقييد مسار الإصلاح والإنقاذ
تبقى الإصلاحات البنيوية رهينة القرار السيادي المقيد بالمحاصصات الطائفية والحزبية ما يضعف القرار السيادي للدولة ويعيق قيام مشاريع إصلاحية.
تفكك الهوية الوطنية
تقديم الهويات الفرعية على حساب الهوية الوطنية الذي فرضه تعدد المرجعيات والولاءات أضعف حس الإنتماء إلى الدولة الواحدة وقيام دولة موحدة.
فقدان الثقة بالمؤسسات
بحسب إستطلاع ل” الباروميتر العربي” ٢٠٢٣ فإنّ أقل من ٦% من المواطنين اللبنانيين يثقون بمؤسسات الدولة ما يعكس إنهيار العلاقة بين الدولة والمواطن.
لبنان، هذا الكيان الغني بكفاءاته وموارده، والمنظَّم بدستورٍ عريق،لطالما افتقر إلى الإرادة السيادية، فتآكلت هيبة مؤسساته، وتأقلممجتمعه مع سلطات متداخلة تفتقر إلى القرار الوطني. لم تعد السيادةفي لبنان ممارسةً فعلية، بل تحوّلت إلى شعارٍ مفرغ، تُستحضر فيالخطابات وتغيب عن السياسات.
إن “رهاب السيادة” في لبنان يُعدّ أحد أخطر تجليات الانهيار، حيثتحوّلت الدولة من مركز قرار إلى مساحة تتقاسمها قوى الأمر الواقع،فتراجعت فكرة الدولة الواحدة لتحلّ مكانها “دويلات” لا تعبأ بمفهومالوطن الجامع.
