كيف نحمي لبنان في زمن ما بعد السلاح؟

تعيش المنطقة تصاعداً غير مسبوق في مستوى التوحش الإسرائيلي، الذي يستخدم الإبادة والتهجير والمجاعة كأدوات لإدامة هيمنته وفرض وقائع جديدة على الأرض. هذه الاستراتيجية ليست عابرة، بل جزء من مشروع متكامل للسيطرة على المنطقة.

وفي الوقت الذي يواجه الجنوب، ومعه لبنان كله، تهديدات كبرى تشمل عودة الحرب، التهجير الدائم، إعادة الإعمار، والتعافي الاقتصادي، يعيش النقاش اللبناني اليوم حالة انقسام حاد بين مسألتين يُراد لنا أن نخلط بينهما: حماية لبنان والإبقاء على السلاح. هذا الخلط لم يعد مجدياً، بل صار أداة افتراس سياسي تُبقي البلد أسير معادلة واحدة، معادلة لا ترى اية إمكانية او فرصة لحماية البلد خارج منطق معادلات لم تعد موجودة على أرض الواقع.

في ظل الخطر الاسرائيلي المحدق، بات التشبث بالسلاح بوصفه الأداة الوحيدة المتاحة للحماية، ودون أي أفق حقيقي، يشل النقاش الوطني ويمنع البحث عن بدائل أكثر فاعلية. هذا الإصرار، إلى جانب رفض التكيّف مع الواقع الميداني، يجعل التعامل مع الخطر الإسرائيلي أكثر استعصاءً، ويعطل أي مقاربة سياسية أو دبلوماسية قادرة على تأمين مظلة سياسية اقليمية ودولية من اجل وقف الاعتداءات وضمان الانسحاب.

فالسلاح اليوم، وبمعزل عن تقييمنا لعقيدة الردع وكلفتها الداخلية، فشل تماماً في حماية لبنان وفي حماية الحزب نفسه، وأصبحت كلفة بقائه عسكرياً تشكّل مخاطر وجودية على جزء من الجغرافيا والديموغرافيا اللبنانية، سيما أن حرباً إسرائيلية جديدة قد تؤدي إلى احتلال أجزاء واسعة من الجنوب ولمدة طويلة مع إفراغ تام من السكان.

هناك إصرار على تعطيل النقاش وإخراجه من السياسة إلى العاطفة. لا مشكلة في العاطفة، لكن المشكلة تكمن في تغييب قراءة المشهد ومتغيراته التاريخية بعقلانية. السلاح اليوم، بوضعه الحالي والاجمالي، غير قادر على التعامل مع الخطر الإسرائيلي هذه هي الحقيقة. ما كان بالأمس لم يعد موجودا ولم يعد بالإمكان العودة اليه. نظرة سريعة للمشهد الاقليمي والداخلي تؤكد ذلك. لذلك، يصبح السؤال عن “الضمانات إذا سُلِّم السلاح” سؤالاً في غير مكانه، إذ إن من يتمسك بما تبقى منه لا يقدّم من جهته أي ضمانة معاكسة، ولا طرحاً سياسياً عقلانياً حول كلفة الإبقاء عليه، أو حول كيفية قدرة السلاح، أو ما تبقى منه، على حماية البلد ووقف الاعتداءات.

الواقع، مهما بلغت صعوبة التعامل معه وتقبله يبقى واقعا ولو حاول البعض انكاره. فالحزب لم يخسر جولة في حرب، بل هو خسر دوره كلاعب اقليمي رئيسي وعاد ليكون طرفا سياسيا لبنانيا، فقد مظلته الخارجية ومنظومته العسكرية في ظل انعدام أي فرصة لإعادة ترميم هذا الواقع. كل ذلك فيما الجنوب مدمَّر ويحتاج إلى مليارات لإعماره بحيث تنعدم سبل الحياة كلما توغلنا جنوبا.

في ظل هذا الواقع الصعب للغاية، يبقى السؤال المركزي كيف نحمي لبنان في زمن ما بعد السلاح. هذا هو السؤال المركزي وليس السلاح. وكل مقاربة اخرى هي محاولة لاستعادة غير واقعية لاستعادة واقع لم يعد موجودا. هذه هي الحقيقة.

اذن ما هي الأولوية اليوم ؟ اولوية الأولويات هي في بذل كل الجهود الممكنة للجم ووقف التوحش الإسرائيلي وقطع الطريق على أي رغبة في توسعة الحرب. لذلك تفرض المصلحة الوطنية اليوم تثبيت الوحدة الداخلية بالمعنى السياسي والمؤسساتي، والبناء على حسن النية، لتخفيف من حدة الانقسام.

التفكير اليوم في كيفية حماية البلد يبدأ بالإقرار بنهاية مرحلة وبداية أخرى، وهذا هو المدخل الوحيد لأي مقاربة جدية ومسؤولة، بعيداً عن المزايدات والإنكار من جهة، والاستخفاف بحجم الخطر من جهة أخرى.