الأمن الموازي في لبنان: إختراق داخلي وخطر إقليمي صاعد

في ظل الإنكفاء المتنامي لدور الدولة ومؤسساتها على مدى عقدين من الزمن، تعاظم دور ما يعرف ب” الأمن الموازي” هو ما وصفته منظّمةمجموعة الأزمات الدولية ICG : أنّه ” مجموعة من التنظيمات المسلحة أو الأمنية المرتبطة بأحزاب سياسية أو طوائف ، والتي تمارس سلطتها الأمنية داخل الدّولة خارج نطاق الرّقابة الرسمية وتشكّل تهديدا” مباشرا” لإحتكار الدّولة لإستخدام القوّة الشرعيّةوتقويضا” لمبادئ السيادة والمؤسساتيّة.

تقاطع هذا الدّور في تاريخ لبنان المعاصر مع التوترات الإقليمية لا سيما في سوريا وبرز كسلطة بديلة أعادت رسم الخرائط الأمنية وفق ميزان الولاءات وأنشطة إقتصاد الظّل ، وكأداة لكسب النفوذ على حساب الدولة المركزية لتنفيذ أجندات تجاوزت الجغرافيا اللبنانية.معتصاعد التوتّر في السويداء ، ظهرت مؤشرات اختراق جديد للتدخّل بآسم ” الهوية الطائفية” .

فهل يتحول الأمن الموازي في لبنان إلى بوابة لصراع إقليمي جديد ؟وكيف يستخدم إقتصاد الظلّ كأداة لتثبيت الولاءات وتحريك الأذرع الأمنية في الداخل والخارج؟

الأمن الموازي في لبنان

شكلت الطوائف أبرز الفواعل الأساسية في النظام السياسي اللبناني ، طوّرت شبكات إقتصادية وأمنية موازية غزّت الولاءات الطائفية من التمويل الخارجي عبر قنوات غير مشروعة. منذ نهاية الحرب الأهلية اللبنانية لم تتمّ عملية دمج شاملة وحقيقية للميليشيات في مؤسسات الدّولة .وعلى الرغم من إتفاق الطائف استمرت بعض الأطراف في الإحتفاظ بجناح عسكري والبعض الآخر( جهوزية عند الطلب إن لم تكن منظمة) يدار حوالي ٤٠% من نشاطها خارج المؤسسات الرسمية عبر شبكات أمنية إقتصادية عابرة للحدود ، وكثيرا” ما استخدم الأمن الموازي للضغط على مؤسسات الدولة وأجهزتها أو تجاوزها من قبل الأحزاب على اختلافها . في هذا السياق أشار تقرير البنك الدولي ٢٠٢٥ إلى أنّ حجم إقتصاد الظّل في لبنان تجاوز نسبة ٢٠% من الناتج المحلي الإجمالي ويشمل ذلك غسل الأموال في قطاعات العقارات والعملات المشفرة وتهريب الدّواء والتحويلات غير الشرعية والتهريب عبر الحدود ، استخدمت هذه الموارد غير الشرعية لتمويل الشبكات الأمنية والإجتماعية الخارجة عن سلطة الدولة.

السّويداء والشمال اللبناني نموذجا” للتمدّد الإقليمي

يبرز التوتر في محافظة السويداء السورية ذات الغالبية الدرزية كنموذج حيّ لفهم كيف يُستخدم “الأمن الموازي” في لبنان كأداة للتمدد الإقليمي عبر بنى طائفية وأمنية خارجة عن سلطة الدولة. ففي ظل الإمتداد الديموغرافي والاجتماعي بين دروز لبنان ودروز سوريا، تُوظف الروابط العقائدية والعائلية لتشكيل نفوذ عابر للحدود يخدم أجندات قوى إقليمية. في المقابل يبرز مركز الثقل السّني شمال لبنان ،هو بيئة خصبة لنموّ شبكات أمنية موازية ضعيفة التنظيم لكنها سريعة التعبئة ، يعزز من إحتمالية تحركها الروابط العائلية والعشائرية بين لبنان وسوريا خصوصا” في حمص والقصير ودرعا ،سبق أن كان لها دورا” لوجستيا” كبيرا” خلال الأحداث السورية بين ٢٠١١ و ٢٠١٤ ما يعكس توازناً دقيقاً بين قوى النفوذ المتقابلة، ويفتح الباب على احتمالات التصعيد الميداني المتبادل.

تشهد محافظة السويداء، منذ عام 2023، تصاعدًا في الاضطرابات السياسية والاقتصادية والأمنية ذات الطابع الطائفي. فعلى الرغم من تبنّيها موقف الحياد أو الرفض للانخراط المباشر في الصراع السوري، إلا أنها لم تكن بمنأى عن تداعيات الحرب. ويعود ذلك إلى الانقسام القائم بين مشايخ العقل المحافظين من جهة، وقوى تطالب بالحكم الذاتي من جهة أخرى، وهي قوى تتقاطع مصالحها مع أطراف إقليمية، مستفيدة من موقعها الجغرافي الحساس. تحولت محافظة السويداء إلى ساحة تنافس إقليمي متزايد لقربها من الجولان المحتل ودرعا، وتداخلها مع الامتداد الدرزي اللبناني، مما يجعلها نقطة جذب لتدخلات غير مباشرة من قبل حلفاء إيران وأتباع الطائفة الدرزية داخل إسرائيل. أما على الجهة الجنوبية، فتمثل السويداء مصدر تهديد متصاعد للأردن، لا سيما في ظل تحولها إلى نقطة انطلاق رئيسية لعمليات تهريب المخدرات باتجاه الحدود الأردنية، ما يضع المملكة أمام تحد أمني متنام يرتبط مباشرة باستقرار الجنوب السوري وانفلات السيطرة الرسمية عليه.”

تكمن خطورة المشهد في تمدد توازن العنف الطائفي عبر شبكات الولاء العابر للحدود ما يقحم لبنان في مواجهة إقليمية بالوكالة ، وسط خطاب تعبوي متصاعد وغير مسؤول يتجاوز سلطة الدولة ويؤسس لإعادة رسم خرائط طائفية يكون فيه اللبنانيين كأدوات تحركها الولاءات تستبيح الحدود بين بيروت ودمشق مقابل تعميق الإنقسام الداخلي بين داعم بآسم الهوية الطائفية ومعارض بآسم “الحياد والمؤسسات”،في هذا الإطار برز جليّا” دور رجال الدين والعقلاء والمؤسسات الدّينية بالدعوة إلى التهدأة والحوار والحكمة لعدم التورط في صراعات أنهكت البلدين على مدى عقد ونصف وعدم السماح بإعادة إنتاج نموذج إنقسام جديد داخل لبنان وتمدد النفوذ الإقليمي عبر وسطاء محليين غير رسميين تحت غطاء ” النصرة الطائفية” .

يعكس تمدد الأمن الموازي في لبنان أزمة مركبة تتشابك فيها الاعتبارات السياسية، الاقتصادية، والطائفية. ومع تصاعد التوترات في سوريا، وخاصة في السويداء، يتضح أن هذا الامتداد لم يعد شأناً داخلياً فقط، بل يُهدد بتحويل لبنان مجدداً إلى لاعب غير رسمي في صراعات المنطقة. إن غياب الرقابة على التمويل، وتوظيف اقتصاد الظل كرافعة للولاء الأمني، يضعان لبنان في مسار تصادمي مع الاستقرار الإقليمي والدولي. ومن هنا، تصبح إعادة بناء الدولة من الداخل ضرورةً أمنية قبل أن تكون خياراً سياسياً، إذ لا يمكن مواجهة هذه البنى المتغلغلة إلا بتعزيز مؤسسات الدولة الشرعية.

في هذا الإطار، فإن تعزيز الاقتصاد الأمني الرسمي وتفعيل آلياته المؤسسية يمثل خطوة حاسمة في كبح تمدّد الأمن الموازي، والحدّ من تغلغل اقتصاد الظل في مفاصل الدولة. فكلما زادت فعالية الدولة في إدارة مواردها الأمنية والمالية بشفافية ومأسسة، تراجعت فرص نشوء البنى الموازية التي تعيش على ضعف الدولة وتآكل مؤسساتها. إن مواجهة هذا الواقع لا تقتصر على الإجراءات الأمنية وحدها، بل تتطلب رؤية شاملة لإعادة إنتاج الدولة كفاعل مركزي قادر على احتكار أدوات القوة والولاء ضمن إطار قانوني ومؤسساتي يقطع الطريق على مشاريع التفتيت الممنهجة.