شهدت محافظة السويداء منتصف يوليو/تموز 2025 تصاعدًا خطيرًا في التوتر بين فصائل درزية والبدو، تزامنًا مع قصف إسرائيلي لمواقع في دمشق والجنوب السوري بحجة “حماية الدروز”، ما فجر موجة اضطرابات أوسع في البلاد.
دعمت العشائر العربية البدو في وجه “المجلس العسكري” الدرزي، وسط تحذيرات من خروج الصراع عن نطاقه الجغرافي وتحوله إلى فتنة طائفية وعشائرية. هذا التصعيد أثار قلق دول إقليمية تضم مكونات مشابهة، مما دفع إلى تحركات دولية وأممية لفرض وقف إطلاق نار عاجل، أعلنت دمشق التزامها به في محاولة لاحتواء الموقف.
الرئيس السوري أحمد الشرع أكد أن القصف الإسرائيلي فاقم الأزمة، محذرًا من تداعيات تهدد استقرار البلاد، فيما تدخلت وساطات أميركية وعربية للتهدئة. الهجمات الانتقامية التي طالت البدو دفعت بعشائر أخرى إلى التدخل لفك الحصار، ما زاد من تعقيد المشهد.
مجلس الأمن ناقش الوضع الأمني، وأكدت دول عربية في بيان مشترك رفضها للاعتداءات الإسرائيلية، واعتبرتها تهديدًا لوحدة سوريا واستقرارها.
الصراع في السويداء ليس جديدًا؛ إذ يعود التوتر بين الدروز والبدو إلى قرون، منذ استقرار الدروز في جبل العرب واختلاطهم بالبدو أصحاب الأرض الأصليين. ومع تعاقب الأنظمة، استغل النظام السوري هذه الانقسامات لتعزيز سيطرته، فغذّى الخلافات أمنيًا وسياسيًا، خاصة في عهد حافظ الأسد ثم بشار، الذي استخدم أحداث “البدو” عام 2000 لترسيخ قبضته في المحافظة.
ومع انطلاق الثورة السورية، تسلحت مختلف المكونات، وانقسم البدو بين النظام والمعارضة وحتى تنظيم داعش، بينما حاولت السويداء البقاء على الحياد، لكنها وُضعت مرارًا في مواجهة البدو عبر أدوات أمنية وشبكات محلية موالية للنظام، وأحيانًا لحزب الله.
ظهرت حركات محلية مثل “رجال الكرامة” و”شيخ الكرامة” و”أحرار الجبل” لمقاومة التجنيد والتدخلات، وسعت لتطويق الصراع الداخلي، لكنها لم تنجُ من التأثيرات الإقليمية والصراعات بين روسيا وإيران على النفوذ في الجنوب بعد “اتفاق التسوية” عام 2018، الذي جرى بضمانات روسية ورضى أميركي مشروط بتحجيم إيران.
الصراع الحالي يُعبر عن احتدام تنافس القوى الإقليمية والدولية على الجنوب السوري، حيث تحاول كل جهة توظيف الورقة الطائفية والعشائرية لكسب النفوذ تحت غطاء حماية الأقليات أو مواجهة الآخر، ما يجعل من السويداء نقطة اشتعال مرشحة لانفجار أوسع إذا لم تُضبط بسرعة.
تقف الدولة السورية والسوريون اليوم أمام أحد أبرز الامتحانات على مستوى ترميم الشرخ ورأب الخلاف بين بعض مكونات السويداء ومكونات من البدو، وتخفيف حالة الاحتقان الحاصلة بين السوريين بشكل عام خصوصا مع سقوط قتلى وجرحى نتيجة الاشتباكات الدامية بين الأطراف على مدار أيام، وحملات التجييش بين الطرفين والتي تُغذيها أطراف داخلية وخارجية ليس من مصلحتها استقرار سوريا.
