إسرائيل وسوريا الجديدة: الفوضى المقصودة وممر داود

 

منذ اللحظة التي بدأ فيها نظام بشار الأسد بالسقوط، وضعت إسرائيل خططها لتفكيك ما تبقى من بنية الدولة السورية. سعت لتدمير البنية العسكرية المتآكلة، وسرّعت عمليات القصف ضد ما تبقى من القدرات الدفاعية السورية، واضعةً نصب عينيها مشروعًا يتجاوز الحدود التقليدية: تفتيت سوريا، واحتكار القوة في المشرق العربي.

ليس في حسابات إسرائيل أي مجال لتوازن القوة في الإقليم. إنها تسعى لترسيخ تفوّق استراتيجي لا يُنازع، ولهذا كانت من أوائل اللاعبين الذين قرؤوا الخريطة السورية كأرض قابلة لإعادة التشكيل، وفق خرائط شرق أوسط جديد. في قلب هذه الرؤية: سوريا فدرالية ضعيفة، مجزأة، تنهشها الصراعات الطائفية والعرقية، ومحاطة بأقليات مدفوعة، صراحة أو ضمنًا، للمطالبة بالحكم الذاتي أو حتى بالانفصال.

هذه الرغبة الإسرائيلية ليست تكتيكًا مؤقتًا، بل جزء أصيل من عقيدتها الأمنية. احتكار القوة ليس خيارًا في نظر إسرائيل، بل ضرورة وجودية. وهي مستعدة لمواجهة قوى كبرى كإيران من أجل ذلك، فكيف بسوريا المنهكة؟

“ممر داود”: إسرائيل تبني طريقها إلى العمق العربي

من أخطر مشاريع إسرائيل في السنوات الأخيرة ما يُعرف باسم “ممر داود”، وهو مشروع جيوسياسي-عسكري يمتد من مرتفعات الجولان المحتلة، مرورًا بـالقنيطرة ودرعا والسويداء، ليصل إلى معبر “النتف” الحدودي بين سوريا، الأردن، والعراق. هذا المعبر تحديدًا يتمركز فيه وجود عسكري أمريكي، ويشكّل البوابة المفتوحة للعبور إلى الأنبار ودير الزور والحسكة وكركوك، حيث تنتشر ثروات النفط والغاز.

طبيعة هذا الممر مزدوجة: أمنية وعسكرية، لكنه يتخفّى بغطاء اللامركزية السياسية، عبر دعم تشكيلات محلية—دروز أو مجموعات متحالفة مع إسرائيل—تتولى حكم الجنوب السوري بحكم الأمر الواقع. الهدف؟ تحويل الجنوب السوري إلى منطقة خارج سيطرة دمشق، وخلق شريط نفوذ إسرائيلي ممتد إلى عمق العراق.

الطاقة والغاز: حرب ناعمة بأهداف صلبة

الطاقة جزء رئيسي في استراتيجية إسرائيل الجديدة. فعقب توقيع اتفاق ترسيم الحدود البحرية مع لبنان عام 2022، بدا واضحًا أن إسرائيل لا تقبل بشراكة متوازنة. ورغم حصولها رسميًا على حقل “كاريش” الذي يضم 2.3 ترليون قدم مكعب من الغاز، فإن اتفاق تقاسم العائدات من حقل “قانا” اللبناني–الذي يحتوي على نحو 25 ترليون قدم مكعب–منح إسرائيل حصة مالية دون أن تطأ قدماها الحقل.

ولم تكتفِ بذلك؛ بل تمركزت في خمس نقاط حدودية داخل الجنوب اللبناني، بعضها على تماس مباشر مع قانا، مما يمنحها تأثيرًا ميدانيًا على موارد لبنان الغازية، ويقوّض قدرة بيروت على إدارة ثرواتها بحرّية.

رفض التطبيع… لأن إسرائيل لا تريد سلامًا يعيد التوازن

في حين تسعى بعض الأطراف الدولية لدفع مسار التطبيع بين سوريا وإسرائيل، تبدو تل أبيب أكثر تصلّبًا من أي وقت مضى. فبالنسبة لها، أي شكل من أشكال التطبيع يجب أن يُبنى وفق شروطها الحصرية: لا حديث عن الجولان المحتل، ولا اعتراف بمنطقة جبل الشيخ التي استولت عليها بعد انهيار النظام. إنها تريد “سلامًا بلا ذاكرة”، و”تطبيعًا بلا سيادة”.

لذلك، شنت إسرائيل في الأسابيع الأخيرة ضربات مباشرة على وزارة الدفاع، هيئة الأركان، وحتى محيط القصر الرئاسي، في رسالة واضحة: الطريق إلى السلام لا يُرسم من دمشق، بل من تل أبيب، وعلى شروط القوة لا التاريخ.

الهدف الكبير: نسف الممر الاقتصادي العربي

ليست سوريا وحدها في مرمى التصور الإسرائيلي، بل البنية الجيو-اقتصادية للمنطقة بأسرها. ترى إسرائيل في مشروع الممر البري التركي–السعودي–الأردني–السوري–الأوروبي تهديدًا مباشرًا لطموحها الاستراتيجي في أن تكون البوابة الوحيدة التي تربط آسيا بأوروبا. لهذا تسعى، عبر تفتيت سوريا، إلى تقطيع أوصال هذا المشروع، وإعادة هندسة طرق التجارة والنقل والطاقة بما يخدم “ممر داود” ومصالحها.

إسرائيل لا تترك شيئًا للصدفة

ما يحدث في سوريا ليس فوضى عشوائية، بل إعادة تشكيل مدروسة، تسعى من خلالها إسرائيل إلى تحييد الخطر السوري، وتحويل الدولة التي كانت في يوم ما في قلب “محور المقاومة” إلى فسيفساء طائفية يسهل تطويعها. وما يبدو دعمًا للأقليات هو في جوهره استثمار في الانقسام، وتكريسٌ لواقع جديد يحوّل إسرائيل إلى اللاعب المحوري الوحيد في مشهد شرق أوسطي يعاد تشكيله بدماء السوريين وثرواتهم