في مشهد غير مألوف، شهدت الحدود بين إسرائيل وسوريا لحظة رمزية محمّلة بالدلالات، حين سُمح لحافلات تقلّ دروزًا سوريين بدخول الأراضي الإسرائيلية للمرة الأولى منذ عقود، في زيارة إلى ضريح الشيخ أمين طريف، الزعيم الروحي التاريخي للطائفة. في استقبالهِم، كان دروز الجولان الذين يعيشون تحت السيطرة الإسرائيلية منذ ضم المرتفعات في عام 1981، يتأهبون لمشهد يدمج بين الحفاوة والانقسام، وبين القرب الطائفي والبعد السياسي. رايات التوحيد ترفرف، والعداوة السياسية بين البلدين لا تزال قائمة، غير أن اللحظة لم تكن خالية من التوجس، بل وصفها رئيس الوفد الزائر بأنها “حساسة” بكل ما تحمله الكلمة من تحذير.
هذه الزيارة لم تكن مجرد مصادفة أو بادرة حسن نية. بل تُمثّل تتويجًا لجهد إسرائيلي واضح، بدأ منذ تهاوي سلطة الأسد، لتقديم نفسها كحامٍ للأقليات في سوريا: من الدروز، إلى الأكراد، وحتى بعض الطوائف المسيحية والعلوية. لكن الدروز، بحكم القرب الجغرافي وعمق الارتباط الرمزي، باتوا في قلب هذه الحسابات.
منذ سنوات، قدّمت إسرائيل مساعدات إنسانية لمناطق درزية جنوب سوريا، وتعهدت بمنح بعضهم حق العمل داخل أراضيها، بل وذهبت أبعد من ذلك، حين وجّهت إنذارات مباشرة إلى القوات السورية بعد اندلاع اشتباكات في مدينة جرمانا. تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس كانت صريحة: “لن نسمح للنظام السوري المتطرف بإيذاء الدروز، وإذا فعل، فسوف نرد”. بل إن الجيش الإسرائيلي أمر بالاستعداد للتدخل، فيما نفّذت الطائرات غارات تحذيرية قرب المناطق الدرزية، قبل أن تدخل القوات السورية إلى جرمانا دون صدام.
وها هي الأحداث تتكرر مجددًا في السويداء، إثر اشتباكات بين بدو مسلحين وأبناء الطائفة، بعد حادثة اختطاف فجّرت غضبًا طائفيًا، ودفعت الحكومة السورية الجديدة بقيادة أحمد الشرع لاستغلال الفوضى كفرصة لبسط نفوذها. إسرائيل، من جهتها، سارعت لتصوير المشهد كنتاج فراغ في السلطة جنوب البلاد، وأطلقت غارات جديدة استهدفت قوات النظام، في تصعيد خطير يوحي بأن اللعبة باتت مفتوحة على جميع الاحتمالات.
بين الولاء والشكوك: دروز سوريا في مفترق طرق
الطائفة الدرزية في سوريا تقف على حافة الانقسام. من جهة، هناك خوف مستمر من السلطة المركزية الجديدة التي يقودها أحمد الشرع، الذي لا تنسى الطائفة أنه كان قائد “جبهة النصرة” التي استهدفتها سابقًا. ومن جهة أخرى، تثير “الضمانات” الإسرائيلية شكوكًا عميقة، إذ تخشى الطائفة أن توضع في موقع المتواطئ أو “العميل”، لا سيما في بلدٍ لا يزال يمور بخطابات التخوين والانقسامات.
القلق يتفاقم بسبب ذاكرة المجازر، من هجمات “داعش” في السويداء، إلى حوادث اختطاف واشتباكات متكررة. وعلى الرغم من تطمينات الشرع، إلا أن الطائفة تشعر بالعزلة والتهميش، خاصة مع تصاعد خطاب مركزي سلطوي من دمشق، يقابله استقطاب إسرائيلي محسوب.
في هذا السياق، يبرز موقف الزعيم الروحي حكمت الهجري، الرافض للتقارب مع دمشق، في مقابل مواقف أكثر اعتدالًا من بعض مشايخ الطائفة. الانقسام الداخلي يعكس تعقيد الموقف: بين رفض واضح للهيمنة، وخشية من الانزلاق نحو التقسيم أو الاحتراب الأهلي.
أهداف إسرائيل: بين الدفاع الوقائي والاستثمار الاستراتيجي
ما تسعى إليه إسرائيل لا يقتصر على “حماية” الدروز أو غيرهم من الأقليات، بل يبدو أنه جزء من تصور أشمل لإعادة صياغة التوازنات في سوريا ما بعد الأسد. فالدعم الإسرائيلي للمجتمعات الدرزية والكردية، وربما لاحقًا العلوية أو المسيحية، يهدف إلى إضعاف الدولة المركزية السورية، وتحويلها إلى كيان هش لا يشكّل تهديدًا استراتيجيًا.
التحذيرات الإسرائيلية الأخيرة جاءت في سياق بالغ التوتر، لا سيما بعد أنباء عن نشر محتمل لمنظومات دفاع تركية في قواعد سورية، ما دفع إسرائيل لتنفيذ غارات على مواقع في ريف حمص. في ذلك، رسالة مزدوجة إلى النظام الجديد في دمشق، وإلى أنقرة في الوقت ذاته، مفادها أن تل أبيب تراقب عن كثب ولا تتردّد في التدخل.
لكن هذا الرهان محفوف بالمخاطر. فالشرع، الباحث عن دعم إقليمي يعوّض تآكل السلطة، قد يجد في تركيا ملاذًا لا بديل عنه، ما يدفعه فعليًا للارتماء في أحضانها. والمفارقة أن إسرائيل، بسعيها لتحجيم النفوذ التركي، قد تساهم عن غير قصد في تعزيزه.
استراتيجية تفكيك سوريا
إسرائيل لم تخفِ اهتمامها المتزايد بـ”قسد”، التي تمثّل مشروعًا كرديًا لحكم ذاتي في شمال شرقي سوريا، يشبه إلى حد كبير تجربة إقليم كردستان العراق. بالنسبة لإسرائيل، قسد ليست فقط ورقة ضغط على دمشق، بل أيضًا عنصر توازن في مواجهة تركيا.
لكن هذا النهج، الذي يعتمد على رعاية كيانات شبه مستقلة، لا يراعي حقيقة أن الغالبية الساحقة من الأقليات في سوريا لا ترغب بالانفصال، بل بالضمانات الدستورية والحماية ضمن سوريا موحدة. ولذا فإن إسرائيل، بإصرارها على مقاربة أمنية ضيقة، قد تكرّس الانقسام، وتزرع بذور صراع جديد.
لقد جرّبت إسرائيل سياسة “الجيرة الحسنة” سابقًا، عندما فتحت خطوط التواصل مع فصائل الجولان. لكنها اليوم تتبنى نهجًا أكثر جرأة، أقرب إلى “التدخّل الانتقائي” المدفوع بالذعر من انهيار النظام القديم وتحوّل الجغرافيا السورية إلى تهديد متعدد الأطراف.
إسرائيل ومأزق الخطاب الأمني
ثمة سؤال جوهري يواجه إسرائيل: إلى أي مدى هي مستعدة لترجمة خطابها إلى فعل؟ هل ستتدخل عسكريًا دفاعًا عن السويداء إذا اقتضى الأمر؟ هل ستضع قواتها في مواجهة مباشرة مع النظام الجديد أو مع أنقرة أو حتى مع “حزب الله”؟
حتى اللحظة، تبدو إسرائيل غير معنية بإجابات واضحة. استراتيجيتها تقوم على الضربات الوقائية، والدبلوماسية الرمادية، والتحالفات غير المعلنة. لكنها بهذه الطريقة قد تخسر الجميع: دمشق، والأقليات، وحتى شركاءها التقليديين في الإقليم.
ختامًا: حسابات خطرة في لحظة مفصلية
اللعب على ورقة الأقليات لطالما كان سيفًا ذا حدّين. وإذا كانت إسرائيل تطمح إلى تحييد سوريا كتهديد طويل الأمد، فإن سياستها الحالية تبدو وكأنها وصفة للفوضى. إن تأجيج الهويات الطائفية، والسعي إلى خلق كيانات شبه مستقلة، سيؤدي حتمًا إلى تفتيت ما تبقى من النسيج السوري، ويفتح الباب واسعًا أمام اللاعبين الإقليميين والدوليين للتدخل.
دروز سوريا لا يريدون الانفصال، ولا يرغبون في التحول إلى بيادق في لعبة إقليمية أكبر منهم. ما يريدونه، ببساطة، هو الأمان، والكرامة، والمساواة. لكن في ظل التدخلات المتزايدة، باتوا أمام معادلة مستحيلة: إما أن يسايروا القوة، أو يُتهموا بالخيانة. وفي الحالتين، يدفعون الثمن
