اتّشح الإقتصاد اللبناني بالمزيد من السّواد ليكرّس واقعا” قاتما” ، عقب تصنيفه ضمن اللاّئحة السوداء للإتحاد الأوروبي للدّول عالية المخاطر مطلع الأسبوع الحالي في إشارة إلى تآكل الثقة الدولية بالنظام المالي اللبناني ، بعد طمس معالم الإقتصاد المنظّم وتفاقم الأنشطة غير القانونية ما يهدّد بعزلة لبنان عن النظام المصرفي الأوروبي والعالمي.
في هذا السياق تعرّف “القائمة السوداء” بأنها لائحة تصدرها جهات دوليّة أو إقليمية مثل الإتحاد الأوروبي أو مجموعة العمل المالي (FATF ) وتضمّ الدّول أو الكيانات التي تضهر قصورا” إستراتيجيا” في أنظمتها لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب أو التي لا تتعاون بشكل كافٍ في المجال الضريبي والمالي ، ما يجعلها بنية عالية المخاطر في التعاملات الإقتصادية والمالية والدّولية.
فما هي أسباب هذا التصنيف ؟ وما هي تداعياته على الإقتصاد اللبناني المتعثّر ؟ وهل يستطيع لبنان الخروج من هذه اللائحة؟
حسب تقرير المفوضية الأوروبية ومجموعة FATF يعود إدراج لبنان إلى مجموعة من الأسباب المتراكمة والبنيوية:
تفشي السوق النقدية cash economy بنسبة تزيد عن ٦٧% من حجم الإقتصاد بحسب صندوق النقد الدولي فضلا” عن غياب الرقابة على شركات الصيرفة وتحويل الأموال.
يقدّر حجم إقتصاد الظّلّ في لبنان ما بين ٣٥% و ٤٠% من الناتج المحلي الإجمالي حسب دراسة للبنك الدولي.
لم ينفّذ لبنان بنود خطّة العمل المقدمة له في ٢٠٢٢ والتي ترتكز على تعزيز الرقابة القضائية على التحويلات المشبوهة وتعديل قانون مكافحة غسل الأموال .
حسب تقرير صادر عن منظمة الشفافية الدولية عام ٢٠٢٣، يعاني النظام القضائي اللبناني من تدخل سياسي ما يعيق محاسبة المتورّطين في الجرائم المالية.
إستخدم النظام اللبناني ( الرسمي والموازي) لتمويل جماعات مدرجة على لوائح الإرهاب في أوروبا .
الأثر الإقتصادي المباشر
وفق تقرير البنك الدولي لعام ٢٠٢٣ بلغت قيمة التحويلات السنوية من أوروبا ١،٣ مليار يورو حيث يشكل المغتربون في أوروبا حوالي ٢٥% من الجالية اللبنانية في الخارج .ومع إدراج لبنان على اللائحة السوداء ستخضع هذه التحويلات لتدقيق إضافي ، ما يؤثر بشكل مباشر على دخل اللبنانيين الذين يعتمدون عليها كمصدر دخل أساسي .
بين عامي ٢٠١٩ و ٢٠٢٣ تراجعت قيمة الإستثمارات الأجنبية المباشرة في لبنان من ٢،٧ مليار يورو إلى أقل من ٣٠٠ مليون يورو إلى أن جاء التصنيف الأوروبي على اللائحة السوداء ليعمّق من النمو الإنكفائي للإستثمارات ويعقّد إجراءات برامج الدعم الإنساني والبنيوي التي بلغت أكثر من مليار يورو بين ٢٠١٨ و ٢٠٢٣.
في سبتمبر ٢٠٢٣ أشارت دراسة لمصرف لبنان المركزي أنّ أكثر من ٧٠% من المصارف الأوروبية خفضت من تعاملها مع لبنان بنسبة ٥٠% على الأقل منذ ٢٠٢٠ وما يزيد من إحتمالات قطع علاقات المراسلة البنكية وعزل المصارف عن النظام المالي العالمي إدراج لبنان على اللائحة السوداء.
فقدان الثقة الدولية وتباين الرؤى المحلية
حسب منظمة التعاون الإقتصادي والتنمية OECD إنّ البقاء على اللائحة السوداء لأكثر من سنتين يهدد السيادة المالية ويعيق فرص التعافي الإقتصادي معإمتناع الشركات الأوروبية عن توقيع عقود مع جهات لبنانية وتعطيل مشاريع مشتركة .
من جهتها اعتبرت الحكومة اللبنانية في بيان صادر عن وزارة المالية في يونيو ٢٠٢٤أنّ التصنيف غير عادل وادّعت أنّ لبنان قد خطا بجدية نحو الإلتزام بالمعايير الدولية ، في حين أشار حاكم المصرف المركزي بالإنابة آنذاك أنّ الوضع السياسي والفراغ الدستوري أعاق التنفيذ الفعليّ ، أمّا الجمعية اللبنانية لحقوق المودعين اعتبرت أنّ التصنيف ما هو إلاّ نتيجة مباشرة للفساد المتأصل وضعف الجهات الرقابية وانّ الحلّ يكمن في الإصلاح الدّاخلي وليس بالإعتراض على القرار الأوروبي .
إلاّ أنّ الحقيقة تتجلى في تغلّب ملامح النفوذ السياسي والمحاصصة الطائفية التي تشكل أساسا” لفلسفة الحكم في لبنان عند كل إستحقاق وطني أو إداري أو قانوني ، وكان آخرها حين إعداد هذا المقال ، تطيير جلسة الحكومة بسبب الخلاف على تعيين النواب الأربعة لحاكم مصرف لبنان بين رؤساء السلطات الثلاثة .
أخيرا” إنّ إدراج لبنان على اللائحة السوداء للاتحاد الأوروبي ما هو إلاّ نتيجة لتراكمات الفشل السياسي والمؤسسي والمالي وانعكاس لسلوك داخلي قائم على الفساد البنيوي .هذا التصنيف سيؤدي بلبنان إلى العزلة إن لم يتحول إلى فرصة للضغط من أجل إصلاح جذري وشامل من جهة ويحرم المواطن اللبناني من أدوات النجاة الإقتصادية.
إذاً المطلوب اليوم هو إرادة وطنية جامعة وإعلان حالة طوارئ على الصعيد التشريعي والقضائي والاداري من خلال إقرار قوانين صارمة لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وإعادة هيكلة هيئة التحقيق الخاصة ومنحها استقلالية وصلاحيات فعلية و ضبط سوق الصرافة وتعزيز الشفافية في التعاملات النقدية وتفعيل الرقابة المالية على الجمعيات ومؤسسات التمويل وتعزيز الشفافية في الموازنة العامة والتحويلات.
