الضربة الوقائية: المفهوم والإشكاليات في السياق الإسرائيلي-الإيراني

تشير “الضربة الوقائية” إلى عمل عسكري استباقي يُنفّذ بهدف كسب المبادرة الاستراتيجية، وذلك في سياق يُعتقد فيه أن العدو على وشك شن هجوم وشيك، وأن اندلاع الحرب بات أمرًا لا مفر منه. ومن منظور القانون الدولي والأخلاقيات الحربية، لا تُعد الضربة الوقائية شرعية إلا إذا توفرت ثلاثة شروط رئيسية:
1. أن يكون التهديد حقيقيًا ومباشرًا ووشيك الوقوع؛
2. أن يكون استخدام القوة هو الخيار الوحيد الممكن لرد الخطر؛
3. أن يتناسب حجم الضربة ونطاقها مع حجم التهديد.

ترجع الجذور الفقهية لهذا المفهوم إلى المفكر الهولندي هوجو غروتيوس (1625)، الذي رأى أن “قتل من يستعد للقتل” يمكن أن يكون مبررًا أخلاقيًا وقانونيًا.
وقد طبّقت إسرائيل هذا المبدأ لأول مرة بشكل عملي في حرب الأيام الستة عام 1967، حين شنت ضربات استباقية منسقة ضد مصر وسوريا والأردن، مبررة ذلك بوجود تهديد وشيك.
وفي السياق الأمريكي، عزّزت إدارة الرئيس جورج بوش الابن عام 2002 هذا المفهوم ضمن “استراتيجية الأمن القومي”، واستخدمته لاحقًا كأداة قانونية لتبرير غزو العراق عام 2003.

إشكالية وشرعية الضربة الوقائية

تكمن المشكلة الأساسية في شرعية الضربة الوقائية في أنها تعتمد على تقدير ذاتي لنية الخصم وخطورة تهديده، ما يمنحها طابعًا إنشائيًا وتأويليًا أكثر من كونه مستندًا إلى وقائع ملموسة.
يستند المؤيدون لهذا النوع من الضربات إلى المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، التي تنص على حق الدفاع عن النفس، ويفسرونها بشكل فضفاض يشمل حتى التهديدات المحتملة.
أما المعارضون، فيؤكدون أن الدفاع المشروع عن النفس لا يتحقق إلا في حالة وقوع عدوان فعلي، وليس لمجرد افتراض وجود خطر مستقبلي محتمل.

الضربة الوقائية في السياق الإسرائيلي–الإيراني

في النزاع المستمر بين إسرائيل وإيران، تُولي إسرائيل أهمية خاصة لبناء سردية قانونية تبرر عبرها مبدأ الضربة الوقائية، خاصة فيما يتعلق بـالبرنامج النووي الإيراني.
وتسعى إسرائيل إلى تصوير هذا البرنامج كـ”تهديد وجودي ووشيك”، بما يُضفي طابعًا استعجاليًا على أي عمل عسكري محتمل ضد إيران.

غير أن السلوك الإيراني حتى الآن لا يُظهر اندفاعًا نحو العدوان المباشر، بل يتّسم بـدرجة من ضبط النفس، رغم تصاعد التوتر.
فإيران، وإن زادت من مخزونها من اليورانيوم المخصب، لا تزال تقبل بالرقابة الدولية، ولم تُقدِم على خطوات هجومية صريحة، ما يجعل من الصعب توصيف موقفها بأنه يشكل تهديدًا وشيكًا يُبرّر استخدام القوة الوقائية.

خلاصة

إن البناء الإسرائيلي لشرعية الضربة الوقائية يقوم إلى حد كبير على افتراضات تأويلية قد تنطوي على مغالطات مفهومية. ومن الصعب، في ظل هذا الإطار، التمييز بين التهديد الواقعي القائم على معطيات ملموسة، والتخمين الذاتي المبني على تصورات أمنية مُتضخمة.

باحثة من الصين