نحو أُفق جديد: رفع العقوبات عن سوريا

تُعتبر العقوبات المفروضة على الجمهورية العربية السورية مجموعة من التدابير الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تم فرضها من قبل العديد من الدول والمنظمات الدولية كردّة فعل على الجرائم التي ارتكبها نظام الأسد ومن معه بحق الشعب السوري. وعلى الرغم من قدميه هذه العقوبات، إلا أنها جاءت بذروتها بعد اندلاع الثورة السورية، وتحديداً بعد الجرائم التي ارتكبها أركان النظام السوري بحق شعبهم.

هذه العقوبات، التي حملت عنوان تدابير أو قرارات، جاءت نتيجة سياسة نظام بشار الأسد القمعية، حيث أصبح المجتمع الدولي مقتنعاً بأن بشار الأسد وأركان نظامه هم مجرمو حرب بكل ما تحمله الكلمة من معنى. ولذا، أصدر الاتحاد الأوروبي مجموعة من التدابير الاقتصادية والسياسية التي تهدف إلى الضغط على النظام السوري لوقف انتهاكات حقوق الإنسان وتحقيق السلام في البلاد. كما قامت الولايات المتحدة الأمريكية بإصدار “قانون قيصر” الذي نصَّ على عقوبات اقتصادية وقانونية، بالإضافة إلى تصعيد العقوبات من المملكة المتحدة وكندا وأستراليا وسويسرا، فضلاً عن جامعة الدول العربية.

اليوم وبعد سقوط النظام السوري تتوالى الإصلاحات في سوريا يوماً بعد يوم وذلك لسببٍ أساسي يحمل عنوان ” انفتاح الدولة السورية على العالم” وصولاً إلى الحدث التاريخي الأكبر والأهم وهو رفع العقوبات الامريكية والأوروبية على سوريا، فبعد تصريح الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب في الرياض بنيته في رفع العقوبات عن سوريا وإعطائها فرصة للانتعاش من مختلف الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، كان ذلك من خلال توقيعه على قرار رفع العقوبات في 23 مايو/أيار 2025 وكذلك الاتحاد الأوربي في الفترة ذاتها أعلن رفع كامل العقوبات عن سوريا لتكون سوريا أمام حدث تاريخي وفصل جديد من تاريخها وتمَّ رفع كامل المفاعيل المتعلقة بأيّة عقوبات على البنك المركزي السوري وعلى كافة الوزارات والمنظمات الإنسانية والشركات التي تعمل على إمداد الكهرباء والمياه وغير ذلك .

مدّة رفع العقوبات:

إنّ رفع العقوبات الامريكية ليس  قراراً مُطلقًا بإطاره الزمني بل هومرهونٌ بفترة زمنية، ولهذا الأمر دلائله ومخاوفه حيث اعطى القرار فترة ستة شهور أي 180 يوما لكل المستثمرين للدخول في سوريا مع ضمان عدم إعاقة العقوبات للاستثمارات بها وتسهيل توفير الكهرباء والطاقة والمياه والرعاية الصحية وجهود الإغاثة الإنسانية. وهذا طبعاً ما سينقل الشعب السوري إلى مستوى معيشي أفضل مما هو عليه ويوفّر فرص عمل لألاف ومئات آلاف الشباب والمختّصين والفنّيين.

يُمكن القول أنّ هذا الاتجاه حقيقةً  يُشكل مساراً جديداً بين سوريا والولايات المتحدة الأمريكية . ولكن هذا المسار هو بداية طريق يحمله الكثير من الأمل وترافقه الكثير من الصعوبات. أي أنَّ السوريين أمام فرصةً حقيقةًوتاريخية خلال الأشهر الستة القادمة في إنعاش البلاد بمختلف المشاريع وعلى رأٍسها الاقتصادية والعمرانية والزراعية والتقنية. ولكن نتساءل عن الشروط التي جاءت أو فُرضت على سوريا مقابل هذه المساحة من رفع العقوبات ؟

شروط رفع العقوبات :

يبدو ان الرئيس الأمريكي يُدرك أهمية مثل هذا القرار بالنسبة للسوريين من جهة وللقيادة السورية من جهة أُخرى، وكما نعلم إنَّ الإدارة الامريكية وعلى رأسها الرئيس ترامب لا يقدموا شيء مجانًا فالسنوات الأربعة عشر كان ممكن أن تُختصر من العام 2012 وإنهاء حكم بشار الأسد منذ عهد أوباما.

صحيح إنَّ القرار اتُخذ بموجب طلب من الأمير محمد بن سلمان وبظرف ليس واضح أمامنا بشكل كامل، ولكن الصيغة الشرطية موجودة وواضحة في القرار بمعنى أنّ القرار مرهوناً بتحقيق مصالح سياسية للولايات المتحدة الامريكية حيثُ تمّت الإشارة إلى عدّة نقاط تجسّدت بأن لا تكون سوريا ملاذاًآمناً لمُنظمات إرهابية وأن يكون هنالك ضمانات للأقليات الدينية والاثنية وترحيل من تمّ وصفهم بـ “الإرهابيين الفلسطينيين” ومساعدة الولايات المتحدة في منع عودة ظهور تنظيم الدولة الإسلامية إضافة لصلاحية الوصول إلى المنشآت الكيماوية واستبعاد المقاتلين الأجانب من المناصب القيادية الحساسة داخل الجيش

يمكن تحليل القرار وشروطه من وجهة نظري التحليلية أنّ الولايات المتحدة الأمريكية تُعطي مجالاً أمام الشعب السوري والقيادة السورية الجديدة لتحسين الوضع الاقتصادي والاجتماعي بشكل كبير وهذا الأمر له إيجابياتهالحقيقة التي تعطّش لها الشعب السوري ونُدرك جيداً أنّ المستثمرون السوريون والأجانب مُتعطشون للاستثمار في سوريا تبعاً لموقعها الجغرافي الرائد ومناخها المعتدل وحاجة السوق لمثل هذه المشاريع.

بالمقابل نجد إنَّ الشروط المرهونة فيها شيء من الاستفزاز السلطوي وأعتقد أنّها تُشكل تحدّياً حقيقياً أمام القيادة التي أعتقد أنّها بحاجة ماسّة للقبول بمثل هذه الشروط سعياً في نهضة البلد ولكن حقيقة الشروط تحمل الكثير من التحليلات والتفسيرات.

فمصطلح التّنظيمات الإرهابية الّتي يذهب القرار ويؤكّد بألّا تكون سوريا ملاذاً آمناً لهم لم يتم تحديدهم بالاسم ولا نعلم من هم ولا نعلم ما هو المعيار التي تعتمدهُ الولايات المتّحدة في هذه الفترة لتصنيف هذه الفصيل إرهابي أو غير ذلك، فالقضية لا تحمل معايير وهذا ما يجعل الامر يُثير القلق بالنسبة للقيادة السورية حسب رأيي .

والأقليات الدينية نعتقد أنّ الرئاسة السورية تحترم بكل ما تحملهُ الكلمة من معنى حقوق الأقليات وحرية الأديان وممارسة الطقوس والشعائر الدينية بل أكثر من ذلك هي تحمي هذه الحقوق من الاعتداء عليها وهذا ما لمسناهُ منذ اليوم الأول من النصر على نظام بشار الاسد. ولكن ما يُعطي المشهد ضبابية هو تصرفات ” الخارجين عن القانون” من هذه الأقليات من العلويين والأكراد والدروز فهنا الدولة تُسارع لمحاسبتهم وضبط سلوكياتهم والدخول لمناطقهم بالقوّة وهم للأسف يحتمون بالدروع البشرية من أبناء طائفتهم الأمر الذي قد يحمل مشهد انتهاك حقوق الأقليات بزعمهم ويتم التسويق له اعلاميًا.

أما بالنسبة لترحيل الإرهابيين الفلسطينيين من سوريا فنحن نعلم من قناعاتنا أن الفلسطينيين والفصائل المسلحة الفلسطينية ليست إرهابية لأنهم مدافعون عن أرضهم فلسطين ويقدمون ارواحهم فداءً لقضيتهم وهذا ما يجعلالمشهد معقداً أمام القيادة السورية وكيفية التعامل مع هذا المطلب .

وبخصوص المقاتلين الأجانب واستلامهم مناصب في الجيش السوري اعتقد إنَّ هذا الامر يُشكل تحدي على سيادة القرار لأنه شأن داخلي بعيداً عن صحته من عدم صحته- ومن المعلوم ان احترام السيادة الداخلية تطال عدم تدخل دولة في اتخاذ قرار دولة اخرى .

أما حول منع ظهور تنظيم داعش فهذا الامر يُشغل فكر كافة دول العالم بالإطار العام ودول الإقليم بالإطار الخاص وتحديداً لبنان والأردن والعراق وسوريا وتركيا واتوقع انّ الدولة السورية ستبذل قصار جهدها لحماية المنطقة من ظهور داعش لأنّ داعش هو العدو الأول لسوريا ، وفي هذا المقام تجدرُ الإشارة لأهمية تشكيل مراكز إقليمية لتعزيز تعاون الدول استخباراتياً وامنياًلضبط منع ظهور داعش.

لكن نحن نتساءل حقيقةً ان كان ظهور داعش يكون من تلقاء ادارته أو بإشارات تعود للمخابرات الأمريكية فلا يمكن تجاهل الدراسات التي تؤكّد بأنّ داعش هو صنيعة أمريكية بحتة فعندما تطلب أمريكا من الرئاسة السورية مساعدتها في محاربة داعش نُدرك أنّ المشهد يحمل من الضبابية ما يكفيوواجب على الدولة السورية أن تتسلّح بالوعي المطلق من انجرارها في حرب ضروس مع تنظيم داعش .

سوريا وشعبها اليوم أمام بوابة أمل ومستقبل مشرق وحقيقي والقيادة السورية أمام تحدّي سياسي ودبلوماسي وعسكري فريد من نوعه، وهذه المرحلة لا تُشبه أي مرحلة سابقة وان كان التصفيق سيد الموقف عند تلفظ ترامب بنيته لرفع العقوبات عن سوريا واعطائها فرصة للنهوض، لكن يجب أن نُدرك ان الولايات المتحدة الامريكية يجب عليها ان تفعل الكثير حتى تكسب ثقة السورين .

وبالمقابل السوريين وعطفاً على ما حصل معهم في الخمسة الاف يوم السابقين أصبحوا يُدركون جيداً من هو العدو القريب ومن هو العدو البعيد ومن يرغب بالمساعدة والمساندة ومن يرغب باستغلالها لتحقيق مصالحه . لذلك اعتقد ان الولايات المتحدة الامريكية ان كانت ترغب حقيقةً في مساعدة الشعب السوري والقيادة السورية الجديدة، كان من الأصوب إصدار قرار رفع العقوبات بلا شروط، فمن كانت عليه العقوبات قد هرب وبقي الشعب الذي يجب ان لا تطاله أي عقوبة ولا من أي دولة أو منظمة وهذا يتوافق مع مبادئ القانون الدولي الإنساني.

بل نحن نرتقب فوق رفع العقوبات دعماً سياسياً ومالياً واقتصادياً من كافة دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتّحدة الامريكية والدول العربية وبشكل مستعجل وعندها يكون التصفيق والابتسامة من قلوب السوريين وبشكلها الحقيقي.

نهايةً نقول أنّ رفع العقوبات عن سوريا وتحسين الوضع الاقتصادي والاجتماعي يحقق مصالح الغرب بالدرجة الأولى الموازية لمصالح الشعب السوري وذلك لأن استقرار الوضع في سوريا سيحمل الاستقرار الداخلي وعودة ملايين النازحين وتقليل النزاعات ومنع نشوء فصائل مسلحة في المنطقة وفي دول الجوار، وكذلك سيمنع أي ظهور لداعش او لتطرف مشابه له، وتبعًا لذلك يمكن القول أنّ رفع العقوبات عن الشعب السوري أصبح لزاماً على من فرضه لزوال أسبابه ولدرء مخاطره فسوريا اليوم وشعبها ليست كما هي من قبل والمستقبل المُشرق للمنطقة سيكون من سوريا بإذن الله.