عرّفت المنظمة العالمية للجمارك (WCO)، في تقريرها حول “مكافحة التهريب وتحديات الأمن الحدودي”، 2019 ” التهريب ” بأنه: نقل السلع أو الأشخاص أو الأموال عبر الحدود الإقليمية للدول بصورة غير قانونية، بما يتجاوز القوانين الجمركية والضريبية، وغالبًا ما يتم بقصد التهرب من الضرائب أو القيود التجارية، أو لتمويل أنشطة غير مشروعة. ويشمل التهريب أيضًا الأشكال الحديثة مثل تهريب البيانات أو البضائع الرقمية، ويُعد من أبرز مظاهر الاقتصاد غير الرسمي الذي يقوض السيادة الاقتصادية للدولة ويهدد أمنها القومي.”
في السياق اللبناني إرتبط تاريخ التّهريب في لبنان إرتباطا” وثيقا” بعوامل جغرافيّة، سياسيّة، إقتصاديّة وأمنيّة، جعلت من البلاد بيئة خصبة لانتشار هذه الظاهرة عبر العقود.
– قبل 1943 تهريب بسيط بفعل ضعف الرقابة العثمانية والانتداب الفرنسي.
– 1990-1975: تكثف خلال الحرب الأهلية، سوريا ممر ومصدر للسلاح لبعض الفصائل.
– 2005-1990 إستمرار التهريب تحت غطاء النفوذ السوري في لبنان، خاصة في البقاع.
– منذ 2011 مع الحرب السورية، تحولت الحدود إلى ممر مفتوح لتهريب السلاح والمخدرات خاصة الكبتاغون، برعاية شبكات عابرة للحدود.
– بعد 2019 تصاعدت وتيرة التهريب بفعل الإنهيار الإقتصادي وشمل الدولار والدواء والمواد الغذائية المدعومة نتيجة الفوضى الإقليمية والطلب الدولي على المخدرات المصنّعة.
في بلد عانى من إنهيار إقتصاديّ حادّ وضعف قدرة الدّولة في ضبط الحدود في ظل غياب شبه كامل للرقابة ، تحوّلت ظاهرة التهريب في لبنان من نشاط إقتصادي غير شرعي إلى تهديد بنيوي مسّ جوهر السيّادة الوطنيّة والأمن القومي و أداةً لتعزيز النفوذ السّياسي ،وتمويل الجماعات الخارجة عن سلطة الدّولة ،وممرّا” للإختراقات الأمنية التي أسهمت في زعزعة الإستقرار الدّاخلي وتكريس شبكات النفوذ الموازية.
يشير “تهريب النفوذ” في إطار التهريب الحدودي، إلى أنّ بعض الجهات النافذة إستغلّت سلطتها أو علاقاتها داخل الدولة لحماية أو تسهيل عمليات التّهريب أو تغطيتها قانونيًا أو أمنياً.
أداة لتمويل شبكات غير نظاميّة
التّهريب في لبنان شكّل جزءا” من شبكة متكاملة من النّفوذ إستخدمتها أطراف داخليّة وخارجيّة لتعزيز موقعها على حساب الدّولة المركزيّة . حيث تداخل التهريب المنظّم بالإقتصاد الأمني وشكّل أداةً لنفوذ جيوسياسي في مناطق النزاع والحدود ( لبنان وسوريا) التي استخدمت ضمن استراتيجيات أمنية وسلطويّة. فالمعابر غير الشّرعية بين البلدين والتي تجاوز عددها ١٢٠ معبرا” بحسب قيادة الجيش اللّبناني ،إستخدمت من قبل قوى سياسية وحزبية لتأمين مداخيل ونقل سلع واستثمارات غير شرعية بعيدا” عن أعين السلطات ( قدّرت خسائر الدّولة اللبنانية من تهريب المحروقات إلى سوريا خلال عام ٢٠٢١ بأكثر من ٤٠٠ مليون بحسب وزارة الطّاقة اللبنانيّة وتخطّى تهريب االطحين المدعوم ٣٠ ألف طنّ سنويا” بحسب وزارة الإقتصاد ٢٠٢٢ في حين كشفت أجهزة الجمارك عن محاولات تهريب أدوية مدعومة بقيمة تفوق ٧ ملايين دولار خلال عام واحد .
منصّة للإختراق الأمني والجريمة المنظّمة
أكّدت تقارير محليّة ودوليّة ( تقرير مجموعة الأزمات الدّولية وتقرير الشبكة العربية لتعزيز النّزاهة ICG )أنّ التهريب شكّل مصدرا” أساسيا” لتمويل الشبكات المسلحة غير النظامية في لبنان وعزّز نفوذها سياسيا” وأمنيا” داخل مؤسسات الدولة وأجهزتها ، ما شكّل ثغرة خطيرة في البيئة الأمنية اللبنانية في سنوات الصراع السّوري ، إذ تحوّلت المناطق الحدوديّة إلى نقاط عبور لمسلّحين ومخازن أسلحة وقنوات تمويل لمنظمات إرهابية مختلفة ، جعلت من لبنان منصّة للإختراق الأمني والجريمة المنظمة وقوّضت مبدأ دولة القانون ( في عام ٢٠٢٢ ضبطت القوى الأمنية أكثر من ٧٥٠عملية تهريب لموادّ مخدّرة نحو ٧٠% من هذه العمليات تمّت عبر الحدود مع سوريا في البقاع الشمالي في حين إرتفعت جرائم السّطو المسلّح بنسبة ٤٥% في مناطق التهريب المحميّة عشائريا” وسياسيا” و٣٠% عبر مطار بيروت والمرافئ البحريّة والتي كانت تدار كجزر خارجة عن سلطة الدّولة ، حيث كان من الصعب عزل هذه الظاهرة عن البيئة الطائفيّة والسياسيّة المعقدّة ،هذا الواقع خلق بيئة جيوسياسيّة حسّاسة أتاحت لأطراف داخلية وخارجية إستخدام التهريب كأداة للضّغط أو الهيمنة .
تهريب النفوذ ومحدودية الرّدع
لطالما استنزف التهريب الخزينة اللبنانية وخلق إقتصادا” غير رسميّ أضعف الإقتصاد النظامي وعمّق من حدّة إنهيار المؤسسات كما انعكس بشكل مباشر على الإستقرار الأمني والإجتماعي ( قدّرت خسائر الدّولة اللبنانية عام ٢٠٢٢ ب ١،٥ مليار دولار بحسب وزارة الإقتصاد في حين كان يمكن توجيه هذه الموارد لدعم الجيش والقوى الأمنية التي تآكل دورها وأضحت في منافسة غير مشروعة على مهامها مع مافيات منظّمة لا تخضع للرّقابة ) .
تحوّل التهريب إلى وسيلة ضغط من قبل القوى التي أحكمت سيطرتها على المعابر ما عزّز قدرتها على التفاوض في المشهد الٍسياسي الدّاخلي ، هذا النوع من السيطرة ضاعف فائض القوّة لديها على مستوى تعطيل قرارات الدولة أو حتّى التفاوض مع الخارج ، ما حدّ من قدرة الدولة على الردع .
سبل المواجهة
التهريب في لبنان لم يكن مجرّد أزمة اقتصادية، بل بات تحدّيا” سياديًا وأمنيًا. مواجهة هذه الظاهرة تتطلب:
– إرادة سياسية جامعة تفكك الغطاء السياسي عن المهربين.
– تعزيز قدرات الجيش والجمارك تقنيا وبشريًا. .
– تنمية المناطق الحدودية إقتصاديًا واجتماعيا” لتقليل الحاجة إلى التهريب.
– تعاون إقليمي ودولي لمراقبة الحدود وتبادل المعلومات الإستخباراتية.
فالتهريب في العقود الأخيرة شكّل بوابة لتهريب النّفوذ والسّيطرة، ومعركة الدّفاع عن سيادة الدولة تبدأ من الحدود الشّرقية والشماليّة كما الحدود الجنوبية . ..
