دينامية اللاصراع..الحروب اللاتماسية وتحولات مفهوم الاشتباك الجيوسياسي

لقد شهد القرن الحادي والعشرين تحولات جذرية في بنية الحروب وأنماط الصراع، دفعت باتجاه إعادة تعريف مفاهيم الأمن والعدوان والردع. من بين أبرز هذه التحولات برزت ظاهرة “الحروب اللاتماسية كإطار مفاهيمي واستراتيجي يعكس نمطا جديدا من الصراع، لا يعتمد على المواجهة المباشرة أو الاصطدام التقليدي بين الجيوش، بل يرتكز على التسلل غير المرئي، والاستنزاف غير المعلن، والتأثير غير المباشر في مراكز القوة لدى الخصم.

       إن جوهر الحروب اللاتماسية لا يكمن في تفوق ناري أو سيطرة ميدانية، بل في إرباك الخصم، وتآكل مناعته الداخلية، وكسر إرادته دون خوض معركة تقليدية واضحة المعالم. فهي تقوم على منطق الإغراق بالمعلومات، التشويش، الاختراق، وزرع الانقسام المجتمعي والمؤسسي. بعبارة أخرى، هي حروب تنكرية تخفي الفاعل وتبهم الفعل، بحيث يصعب على الطرف المستهدف تحديد مصدر العدوان أو توقيته أو أدواته.

       برزت هذه الحروب في بيئة دولية اتسمت بتفكك الحدود بين السلم والحرب، وبتعاظم دور الفاعلين من غير الدول، وبالتحول التكنولوجي العميق الذي أنتج أنماطا جديدة من التهديدات غير المتماثلة. فشبكات المرتزقة، والجيوش الالكترونية، والمجموعات السيبرانية، وقنوات التضليل الإعلامي، جميعها أصبحت أدوات فاعلة في هذا النوع من الصراعات. وقد وظفت القوى الكبرى هذه الأدوات لزعزعة استقرار الخصوم دون الانجرار الى حروب مباشرة مكلفة أو محفوفة بالمخاطر الاستراتيجية، كما هو الحال في تدخلات روسيا عبر المرتزقة والهجمات السيبرانية، أو في صراعات النفوذ الأمريكي التي تعتمد على العقوبات، والحرب الاقتصادية، والتحكم بمنصات التواصل والمعلومات.

       تعكس الحروب اللاتماسية انقلابا مفاهيميا على نظرية الردع الكلاسيكية، إذ يصعب ردع خصم غير مرئي، وتفشل استراتيجيات الإنذار المبكر في استباق هجمات لا تأتي على هيئة دبابات أو طائرات، بل عبر رموز برمجية أو رسائل إعلامية موجهة. وهذا ما يفرض تحديات معقدة أمام صانع القرار الاستراتيجي، الذي بات مطالبا بتحديث أدوات تحليل المخاطر، وبناء مرونة مؤسسية شاملة، وتطوير قدرات هجينة تستطيع التعامل مع التهديدات غير التقليدية ضمن طيف واسع من السيناريوهات.

       الحروب اللاتماسية لا تسعى الى احتلال الأرض بقدر ما تستهدف احتلال الوعي، ولا تهدف الى كسر الجيش بقدر ما تسعى الى تآكل الثقة في المؤسسات، وتشظي الهوية الوطنية، وزرع الشك في السرديات الجامعة. إنها حرب نفسية شاملة، بطيئة الإيقاع ولكن عميقة الأثر، لا تعتمد على النصر الحاسم بل على الاستنزاف البارد. في هذا السياق، يصبح الأمن مفهوما مركبا، لا يختزل في الردع العسكري، أو التفوق الاستخباري، بل يتطلب منظومة متكاملة من المناعة الرقمية، والسيادة المعرفية، والقدرة على إدارة الفضاء الرمزي للدولة.

     في الختام، يمكن القول إن الحروب اللاتماسية تشكل تحديا استراتيجيا للمنظومات الأمنية والسياسية في القرن الحادي والعشرين، وهي تفرض إعادة بناء فلسفة الأمن القومي على أسس تتجاوز منطق السيطرة الجغرافية نحو بناء مناعة مجتمعية ومعلوماتية متقدمة. إنها حروب المستقبل التي تدور رحاها في اللايقين، وتحسم نتائجها في الوعي الجمعي لا في ميادين القتال.