شكّلت البلديّات، تاريخيًا، ركيزة أساسية للإدارة المحليّة في لبنان، نظرًا لدورها المباشر في تقديم الخدمات الأساسية وتطوير المجتمعات المحلّية. غير أنّ سلسلة الأزمات المتلاحقة منذ عام 2019، من الانهيار المالي إلى جائحة كورونا، ثم انفجار مرفأ بيروت، وأزمة النزوح السوري، وصولًا إلى عدوان أيلول 2024، جعلت البلديّات اللبنانية في وضع هشّ يهدّد قدرتها على الاستمرار، ناهيك عن قيادة التنمية المحلية.
تدهور متسلسل
أولى الضربات جاءت مع الانهيار المالي، حيث توقفت تحويلات “الصندوق البلدي المستقل” وتراجعت قدرة البلديّات على جباية الرسوم المحلية، بفعل التدهور المعيشي وفقدان الليرة أكثر من 90% من قيمتها. تلا ذلك تفاقم في الأعباء الإدارية مع انتشار جائحة كوفيد-19، إذ اضطرت البلديّات إلى لعب أدوار صحية وإنسانية رغم محدودية الموارد، ما أدى إلى استنزاف قدراتها البشرية والمالية.
وفي آب 2020، جاء انفجار مرفأ بيروت ليضاعف الأضرار في العاصمة ومحيطها، حيث تضررت البنية التحتية وتوقفت مشاريع إنمائية، وسط غياب خطة وطنية واضحة لإعادة الإعمار. ومع تجدّد موجات النزوح السوري في 2024، ازدادت الضغوط على البلديّات في المناطق الحدودية والريفية، ما تسبب بتوترات اجتماعية وتراجع قدرة البلديّات على ضبط الأوضاع.
ثم جاء عدوان أيلول 2024 الإسرائيلي على الجنوب والبقاع ليشكّل تحديًا إضافيًا، بعدما تسبب بنزوح داخلي ودمار في منشآت حيوية، ما حمّل البلديّات المضيفة أعباء جديدة فوق ما تحتمل.
تداعيات هيكلية
انعكست هذه الأزمات المتداخلة في تراجع حاد على مستوى الموارد المالية للبلديّات، سواء من جهة الدولة المركزية أو من الإيرادات المحلية، مما أدى إلى تعليق أو إلغاء العديد من المشاريع الخدماتية والإنمائية. كما واجهت البلديّات أزمة في الكوادر، مع هجرة الموظفين وتجميد التوظيف وضعف التدريب.
وازدادت الأزمة تعقيدًا مع فقدان ثقة المواطنين بالبلديّات، نظرًا لفشلها – في نظرهم – بتقديم أبسط الخدمات، ما أدى إلى تنامي الاعتماد على المبادرات الفردية أو الجمعيات الأهلية، بدلًا من المؤسّسات الشرعية المنتخبة.
نافذة للتعافي
رغم قتامة المشهد، لا تزال هناك فرص لإعادة تمكين البلديّات كمحرّك للتنمية المحلية، بشرط التوجّه نحو إصلاحات هيكلية تشمل ثلاثة مسارات رئيسية:
أولًا، إصلاح النظام المالي المحلي: عبر تفعيل تحويلات الصندوق البلدي المستقل بشفافية، وتحديث آليات الجباية المحلية، وتطوير مصادر دخل مستقلة للبلديّات، بالإضافة إلى توجيه المساعدات الدولية نحو مشاريع مستدامة بدلاً من التركيز على الطابع الإغاثي.
ثانيًا، تحديث الإطار القانوني والإداري: يشمل هذا المسار إصدار قانون بلدي عصري يوسّع صلاحيات البلديّات، وتطبيق اللامركزية الإدارية الموسعة، إلى جانب تأسيس وحدات فنية داخل البلديّات ورفع كفاءتها البشرية من خلال التدريب والشراكة مع الجامعات والمراكز البحثية.
ثالثًا، توسيع الشراكات التنموية: سواء مع المجتمع المدني لتعزيز المشاركة والمساءلة، أو مع القطاع الخاص من خلال تشجيع الاستثمار المحلي، أو مع المنظمات الدولية التي يمكنها لعب دور فاعل في دعم البلديّات فنيًا وماليًا ضمن أطر تعاون شفافة.
خاتمة
في ظل غياب الدولة المركزية الفاعلة، أصبحت البلديّات خط الدفاع الأول في مواجهة الأزمات اليومية للمواطنين. غير أن استمرار تجاهل أدوارها أو تهميشها سيؤدي إلى مزيد من الانهيار المحلي والاجتماعي. إنّ بلديّات لبنان اليوم بحاجة إلى رؤية وطنية تضعها في قلب مشروع إعادة بناء الدولة من القاعدة إلى القمة، لأن الاقتصاد البلدي ليس مجرد خدمات، بل هو حجر الأساس للاستقرار والتنمية
