ترمب وسياسة العصا والتعرفة

بدأ دونالد ترمب ولايته الثانية بحماسة واضحة تجاه سياسة “العصا والتعرفة”. رفع الرسوم الجمركية فجأة، ثم جمّدها، ليعود لاحقًا ويصعّدها في حال تعثرت الصفقات. من الأمثلة على ذلك، قراره بتجميد الرسوم الجديدة على 57 دولة لمدة 90 يومًا.

الصين: التفاوض تحت ضغط الرسوم

ولعل أبرز ملفات السياسة التجارية لترمب هو التعامل مع الصين؛ إذ أبقى على تعرفة جمركية بنسبة 145% لاستدراجها إلى طاولة المفاوضات. وبينما تتفاءل واشنطن بقرب توقيع “الصفقة”، تعتبر بكين أن تقلب الرسوم الجمركية يفقد المفاوضات مصداقيتها، ووصفت هذا النهج بـ”التنمر الاقتصادي”.

أوكرانيا: مفاوضات السلام من دون الأوكرانيين؟

في الملف الأوكراني، توجهت واشنطن إلى السعودية لاستضافة محادثات أمريكية – روسية لوقف الحرب، في خطوة فُسّرت كاعتراف ضمني بأن واشنطن، لا كييف، هي من يملك مفتاح الحل. بل إن نائب الرئيس لوّح بالانسحاب من “محادثات السلام” إذا لم تقبل أوكرانيا بـ”العرض الأخير” الذي يتضمن التخلي عن أراضٍ تحتلها روسيا.

إيران: مفاوضات والسفن الحربية في الأفق

أما إيران، فدخلت المفاوضات عبر دبلوماسي مخضرم هو عباس عراقجي، بينما دفعت واشنطن بمبعوث ترمب الخاص ورجل الأعمال ويتكوف، وأرسلت بارجتين إلى الشرق الأوسط في رسالة مزدوجة: “نفاوض والسلاح على الطاولة”. ويظل السؤال مفتوحًا: كيف ستنتهي هذه اللعبة المزدوجة بين الدبلوماسية وقوة رأس المال؟

أوروبا: الحليف المهمّش

يحبس الاتحاد الأوروبي أنفاسه وهو يشاهد اليمين الأمريكي يعود إلى واجهة الحكم بسياسات انعزالية. ترمب يتخلى عن أوروبا كحليف، يهمّشها في مفاوضات إيران، يفرض عليها رسومًا جمركية، ويتجاهل دعمها في أزمة روسيا. هذا التباعد يعزز أزمات القارة التي يشق فيها اليمين طريقه نحو الحكم أيضًا.

غزة: “ريفيرا الشرق”؟

غزة، المدينة الصغيرة مساحةً، الكبيرة سياسيًا، كانت حاضرة في خطاب ترمب، حين أعلن عن رغبته بتحويلها إلى “ريفيرا الشرق” مع ترحيل سكانها، في تصريح أثار رفضًا دوليًا وعربيًا، ووصفته الجامعة العربية بأنه غير إنساني وخارج عن الشرعية الدولية.

التسريبات: أزمة ثقة؟

ترافق هذه التحركات تسريبات محرجة: منها خطة أمريكية لقصف الحوثيين، وتسريبات صحيفة نيويورك تايمز بشأن نية إسرائيل ضرب منشآت إيران النووية في مايو، وتسريب لموقع أكسيوس عن مقترح أمريكي في المفاوضات الروسية – الأوكرانية لا يتجاوز صفحة واحدة. لكن، إلى أي حد تهدد هذه التسريبات الثقة بواشنطن كحليف استراتيجي؟ حتى الآن، لم تُهز تلك الثقة بالكامل.

داخليًا: معركة مع مؤسسات الدولة

على الصعيد الداخلي، وقبل 100 يوم من عمر ولايته الثانية، خاض ترمب مواجهات حادة مع مؤسسات الدولة. سرّح 5000 موظف من وزارة الدفاع (البنتاغون)، وأجرى عملية تطهير في وكالة الاستخبارات المركزية (CIA)، طالت المئات، مما يهدد الروح المعنوية ويؤثر على الأداء الأمني. كما أعاد هيكلة وزارة الخارجية، وأغلق نحو 130 مكتبًا أمريكيًا حول العالم.

تفويض مطلق؟

يتصرف ترمب وكأن الشعب منحه تفويضًا مطلقًا. فقد وقّع على تفكيك وزارة التعليم العالي، ودخل في أزمة مع جامعات عريقة مثل كولومبيا وهارفارد، مهددًا بقطع التمويل ورفع الامتيازات الضريبية بسبب رفضها الخضوع لتدقيق أيديولوجي.

اقتصاد مضطرب

لم نتحدث بعد عن النتائج الاقتصادية: الرسوم الجمركية أضرّت بالاقتصاد العالمي، انخفضت قيمة الدولار، وارتفعت أسعار الذهب بشكل جنوني. أما صندوق النقد الدولي فأعلن تباطؤ النمو العالمي بنسبة 2.8%، وهي نسبة أعلى من تلك المسجلة في ذروة جائحة كورونا