قصة تطور الأسلحة النووية في الهند وباكستان

 

تُشكل الأسلحة النووية في الهند وباكستان ركيزة أساسية في التوازن الاستراتيجي بجنوب آسيا، مؤثرة بعمق على العلاقات السياسية والعسكرية بين البلدين. يرتبط تطور البرامج النووية بالتنافس التاريخي، خاصةً حول إقليم كشمير، والحاجة إلى ردع عسكري متبادل.

رحلة الهند النووية
بدأت الهند طموحها النووي في أوائل الأربعينيات من القرن العشرين، عندما أسس العالم هومي جيهانجير بهابها معهد تاتا للبحث الأساسي، ليصبح رائدًا في العلوم النووية بالبلاد. في عام 1956، أطلقت الهند أول مفاعل بحثي، وتبعه في 1964 إنشاء مصنع لإعادة معالجة البلوتونيوم، مما عزز قدراتها النووية. وفي عام 1974، أذهلت الهند العالم بتجربتها النووية الأولى، المعروفة بـ”بوذا المبتسم”، التي وصفتها بأنها لأغراض سلمية، لكنها أثارت قلقًا دوليًا بشأن إمكانية تحويل هذه التكنولوجيا إلى أسلحة.
اختارت الهند عدم التوقيع على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (NPT) عام 1970، مما جعلها دولة نووية خارج الإطار الدولي. خلال الثمانينيات، واجهت مقاومة داخلية لتطوير الأسلحة النووية، لكن التوترات مع باكستان، خصوصًا بعد أزمة براستراكس العسكرية في 1987، دفعتها لتكثيف جهودها. في مايو 1998، أجرت الهند سلسلة تجارب نووية في موقع بوكهاران، معلنة نفسها رسميًا دولة نووية، وهي خطوة زادت من حدة التوترات الإقليمية.
مسيرة باكستان النووية
استجابت باكستان للتفوق العسكري الهندي بإطلاق برنامجها النووي في السبعينيات، خاصةً بعد تجربة الهند عام 1974. كان هذا البرنامج مدفوعًا برؤية استراتيجية لتحقيق توازن عسكري، حيث لعب عبد القدير خان دورًا محوريًا.

دور عبد القدير خان:
كان عبد القدير خان، العالم الباكستاني البارز، الركيزة الأساسية في تحقيق الطموح النووي الباكستاني. في السبعينيات، عاد خان من أوروبا حاملًا خبرة واسعة في تخصيب اليورانيوم. باستخدام شبكة دولية، نقل تكنولوجيا حساسة إلى باكستان، مما سرّع من تطوير برنامجها النووي. أصبح خان بطلًا قوميًا، وأُطلق عليه لقب “أبو القنبلة النووية الباكستانية”. لكن دوره لم يخلُ من الجدل، إذ واجه اتهامات في الثمانينيات والتسعينيات بنقل تكنولوجيا نووية إلى دول أخرى.
تحت قيادة رئيس الوزراء ذو الفقار علي بوتو، الذي أعلن أن باكستان ستصنع السلاح النووي حتى لو تطلب الأمر “أكل العشب”، اكتسب البرنامج زخمًا كبيرًا. في الثمانينيات، دعمت السعودية باكستان ماليًا، مما ساعد في تمويل المشروع. وفي مايو 1998، ردًا على تجارب الهند، أجرت باكستان تجارب نووية في موقع تشاقي، معلنة نفسها دولة نووية. لم توقع باكستان على معاهدة عدم الانتشار، وركزت على تطوير أسلحة نووية تكتيكية لمواجهة التفوق التقليدي الهندي، معتمدة نهجًا يركز على الردع الميداني.

التوترات الإقليمية
أدى امتلاك الهند وباكستان للأسلحة النووية إلى تعقيد الوضع في جنوب آسيا. تتبنى الهند سياسة “عدم الاستخدام الأول”، بينما تحتفظ باكستان بمرونة أكبر، مما يرفع مخاطر التصعيد في أي نزاع. الصراع المستمر حول كشمير، إلى جانب الحروب والأزمات السابقة، جعل المنطقة نقطة ساخنة نووية، تتطلب حذرًا دائمًا.

الوضع الحالي
وفقًا لتقرير معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) لعام 2024، تمتلك الهند حوالي 172 رأسًا نوويًا، بينما تمتلك باكستان حوالي 170. تواصل كلتا الدولتين تحديث ترسانتهما، مع التركيز على صواريخ باليستية وتكتيكية متقدمة، مما يعكس استمرار التنافس الاستراتيجي.