زامن هذا العام ذكرى سقوط بغداد على يد الاحتلال الغاشم إعلان ترامب رفع الرسوم الضريبية على الصين بنسبة 124%، وردّت الصين بـ84%. وأنا أقرأ الأخبار عن الحرب التجارية الأميركية-الصينية، قلت: بعض الأسباب جزء من لعنة العراق على أميركا، ليس بغضاً ببلد عظيم أحببناه أو كرهناه وله فضل كبير في تطوير عجلة التقدم العالمي، ولكن واقعاً، إذ إن فواتير الحروب ليست رخيصة، كما كان يظن الرئيس بوش حين زجّ أبناء بلاده جنودا يحتلوننا.
لكن العلاقة بين حرب العراق وأزمة 2008 لم تكن مجرد تزامن زمني، بل كانت مترابطة من حيث الأسباب والنتائج. فالحرب في 2003 كبّدت الخزينة الأميركية أكثر من تريليوني دولار، ورافقتها عمليات تمويل واسع النطاق بالاقتراض العام من خلال إصدار سندات حكومية ضخمة لسدّ النفقات، وهو ما راكم الدين العام بشكل كبير. في الوقت نفسه، تبنّى الاحتياطي الفيدرالي سياسات نقدية توسعية لضخ السيولة في الأسواق، ما أدى إلى خلق بيئة من التيسير المالي والانخفاض التاريخي في أسعار الفائدة. ولخلق انتعاش اقتصادي ظاهري في الداخل، تم الترويج للإقراض العقاري واسع النطاق دون ضوابط كافية، ما شجّع المواطنين على شراء العقارات بأموال مقترضة، وأدى إلى تضخم غير واقعي في سوق الإسكان، يُعرف باسم فقاعة العقارات. وعندما انهارت هذه الفقاعة، ظهرت الأزمة الحقيقية: بنوك على وشك الإفلاس، ديون متراكمة، وثقة عالمية مهزوزة. ووسط كل ذلك، كانت الحرب قد استنزفت ما يكفي من موارد البلاد لتمنع أي قدرة على امتصاص الصدمة. بهذا المعنى، ساهمت مغامرة العراق في دفع الاقتصاد الأميركي نحو الحافة.
في هذه الأثناء، كانت الصين تغتنم فرصة انشغال أميركا بحربها على الإرهاب، سواء في أفغانستان أو العراق، ولاحقاً، بينما كانت أميركا تُنقذ بنوكها، كانت بكين تبني شراكاتها. وأدّت أزمة العقارات إلى دفع دول مثل بريكس (البرازيل، روسيا، الهند، الصين، جنوب أفريقيا) لإنشاء تكتلات اقتصادية جديدة تسندها، إذ يبدو أن الاعتماد على الاقتصاد الأميركي مخيف. دول تدعو لعالم متعدد الأقطاب، بعيد عن هيمنة الدولار والبنك الدولي وصندوق النقد. الأمر لم يقتصر على البريكس، بل ظهرت تكتلات كبرى مثل “آسيان” في جنوب شرق آسيا، وتحالفات لاتينية مثل ميركوسور، وكلها تسعى لتقليص اعتمادها على الأسواق الغربية، وبالأخص الأميركية.
الآن يحاول ترامب عبر حملته الأميركية “Make America Great Again – MAGA” أن يعيد المجد لأميركا، ولكن هذا صعب، فلا زالت “حوبة” بلد مثل العراق، مهما بدا محدود الإمكانيات، إلا أن تداعيات احتلاله تعود بارتداداتها على القيادة الأميركية للعالم.
