من الناحية التقنية، تقدّمت #ايران كثيراً. لم يعد الحديث عن انتهاكات جزئية لاتفاق #2015 ؛ بل نحن أمام بنية نووية متطورة، زمن الاختراق فيها لا يُقاس بالأشهر كما كان يُرجى، بل بالأسابيع. ما تمتلكه إيران اليوم من يورانيوم مخصب بنسبة 60%، وأجهزة طرد مركزي متقدمة، يضعها نظرياً على بعد قرار سياسي واحد من امتلاك القدرة على إنتاج سلاح نووي. وهنا يكمن قلب الأزمة، الخطر لم يعد افتراضيا.
في المقابل، لم تعد #امريكا في موقع الثقة أو السيطرة الكاملة. انسحاب #ترامب من الاتفاق النووي عام #2018 لم يُخرج إيران من عزلتها فقط، بل أخرج #واشنطن من موقع الطرف القادر على فرض قواعد اللعبة. الاتفاق لم ينهار لأن إيران خرقت بنوده او لا، بل لأن امريكا قررت -بإرادة منفردة- الانسحاب منه. وهذا بالضبط ما تصرّ إيران على تسميته “غياب الضمانات”، وترفض العودة بدونه.
اليوم، ومع عودة ترامب للبيت الأبيض، يتكرّر المشهد: تهديد بالقصف، ضغط بالعقوبات، ثم حديث عن مفاوضات “مباشرة”. لكنّ #طهران لا تزال تلعب لعبتها القديمة-الجديدة: ردود باردة مهما حمت وطأة تهديداتها، وتحويل الصبر الطويل من مفهوم روحاني الى مفهوم سياسي استراتيجي.
أسئلة كثيرة تُطرح في هذا السياق، لعل أبرزها: هل ستتلقى هذه المحادثات نفس مصير مفاوضات #فيينا و #الدوحة؟ وهل الفشل هذه المرة يلوح ايضاً، وربما مقصود، لتهيئة الرأي العام الدولي والإقليمي لتقبل خيار العمل العسكري كخيار لا مفر منه؟ فالتصعيد الإعلامي، والوجود العسكري المتزايد في ظل ارسال بارجة ثانية الى البحر الاحمر، والتصريحات المتكررة حول “نفاد الوقت”، كلها إشارات لا يمكن قراءتها بمعزل عن التحضير النفسي والسياسي لمواجهة قد تُقدَم لاحقًا باعتبارها ضرورية بعد فشل الدبلوماسية.
لكنّ النجاح أيضًا ليس مستحيلاً. فقد يفضي هذا المسار إلى تفاهم مرحلي يوصف غالبا كنهج تكتيكي “أقل مقابل أقل”، ومن الصيغة توحي التسمية بواقع متواضع: لا اتفاق شامل، ولا انفراج اقتصادي كبير، بل خطوات حذرة ومحدودة من الطرفين. تقدم فيها إيران تنازلاً جزئيا، كأن تجمد التخصيب عند مستوى 60%، مقابل تخفيف انتقائي للعقوبات، كالسماح ببيع كميات من النفط أو الإفراج عن أموال مجمدة. وفي جوهرها، تعكس اعتراف متبادل بأن لا أحد مستعد للمواجهة الكاملة. مفاوضات لا تُنهي الأزمة، لكنها تضعها مؤقتاً في ثلاجة دبلوماسية، بانتظار لحظة سياسية أنضج، وفي حال نجحت الوساطة العُمانية في كسر الجمود، قد تستعيد الدبلوماسية زخمها، ويتحول الجمود القائم إلى نقطة انطلاق جديدة نحو مصلحة احد الطرفين.
وفي مقابل اعلان #اسرائيل لخيبة أملها، الأطراف الأوروبية تعبت من الركض وراء طهران وواشنطن، ومحاولة لملمة ما تبقى من اتفاق 2015 الذي قضى عليه ترامب. أما #روسيا و #الصين، فتراقبان بصمت، مع حرصٍ على استمرار التوتر حباً بالنفط لكن مع الحفاظ على ان لا يصل هذا التوتر إلى الانفجار.
العالم ينتظر.
