من فيليب تقلا إلى ميشال أنطون، إلياس سركيس، ميشال الخوري، وإدمون نعيم… تعاقب على حاكمية مصرف لبنان رجال قانون، إداريون من داخل الدولة، أو أكاديميون في الاقتصاد. كلّهم أبناء الخدمة العامة أو الفكر المؤسسي في التعامل مع المال العام ومع السياسة النقدية، من خلال قانون النقد والتسليف. هذا هو الحال في غالبية البنوك المركزية حول العالم: حاكم المصرف المركزي يرسم ويدير السياسة النقدية، مع تمتّعه باستقلالية كبيرة عن السلطة السياسية، ولا يمكن له أن يكون، بأي حال من الأحوال، ممثّلًا لمصالح القطاع المالي الخاص.
ثم جاء رياض سلامة، الاستثناء الوحيد، من قلب القطاع المالي الخاص، ليحوّل الحاكمية إلى أداة لتغطية النهب المنظّم وتمويه الانهيار.
كانت الإدارة المالية في السنوات التي تلت الانهيار أكثر سوءًا من المرحلة التي سبقتها: سعي حثيث للهروب للمحاسبة عمّا جرى في حين ان ما قامت به المصارف من تهريب للاموال قبل وخلال وبعد الانهيار هو افلاس احتيالي موصوف، وتحميل المال العام والأجيال القادمة كلفة الانهيار، والمضيّ قدمًا في مشروع العفو المالي العام عن جرائم نُفّذت أحيانًا من خارج القانون، وأحيانًا أخرى بغطاء قانوني مُعدّ سلفًا.
ولأجل ذلك، قامت الأذرع الإعلامية والسياسية والقضائية لمافيا المصارف، منذ الأيام الأولى للانهيار وحتى اليوم، بالتسويق أن مشكلة المودعين ليست مع المصارف التي “وقعت ضحية” الدولة التي استدانت عبر مصرف لبنان في محاولة للتعمية عن الارباح الخيالية التي حققتها وعن كل الهندسات المالية التي اتت على حساب المال العام وعلى حساب المودعين الشرفاء.
لم تكتف بذلك، بل عملت نفس الاذرع على التسويق أيضا إلى فكرة “قدسية الودائع” من أجل الإطاحة بأي خطة إصلاحية، وشيطنة كل من يتصدّى لهذه الفكرة وايهام المودعين ان من اطاح بجنى عمرهم يريد الدفاع غن حقوقهم. واليوم، وقد مرّت ست سنوات على الانهيار، لم يُردّ أي قرش من ودائع الناس، بل جرت تصفيتها تدريجيًا.
بعد كل ما حصل، وبدل أن نذهب باتجاه القطيعة مع النمط الذي ساد طوال العقود الثلاثة الأخيرة، تتّجه الأمور نحو تعيين حاكم جديد آتٍ من خلفية القطاع المالي الخاص، يتبنّى سردية المصارف والحلول التي تقترحها للتعامل مع نتائج ما جرى.
ما يجري شديد الخطورة: هناك خطر جدي وداهم بأن يكون لبنان البلد الوحيد في العالم الذي كانت سياسة سلطته على يمين صندوق النقد: لا تحقيق مالي جنائي عن الارتكابات والأرباح الخيالية، لا رفع للسرية المصرفية، ما يعني مساواة اللصوص بالمودعين الشرفاء، ولا إعادة هيكلة حقيقية، ما يعني إعفاء أصحاب المصارف من أي مسؤولية.
لا إصلاح من دون محاسبة. ولا إصلاح من دون عدالة حقيقية، لا وهمية، للمودعين.
