في خضم الحرب الأوكرانية، أُغرِقت كييف بمليارات الدولارات من المساعدات المالية والعسكرية؛ 350 مليار دولار من الولايات المتحدة، و55 مليار يورو من ألمانيا، إلى جانب دعم لا يُحصى من بقية دول الغرب. لكن السؤال المنطقي: أين ذهبت هذه الأموال؟ وكيف أُنفقت؟ حكومة زيلينسكي، حين أنفقت هذه المبالغ الضخمة، هل كانت تعتقد أن هذا الدعم أبدي؟ ألم تضع في حسبانها إمكانية تغير الإدارة الأميركية؟
الدول الغربية، بقيادة أميركا، ورّطت أوكرانيا بهذه الحرب عندما أغرتها بفكرة الانضمام إلى “حلف الناتو”، لكنها اليوم، كما جرت العادة، مع تغير الحزب الحاكم في واشنطن، تتجه إلى الانسحاب من تقديم الدعم لكييف، تاركةً أوروبا أمام مصيرها. يقول ترامب إن زيلينسكي يجرّ العالم نحو حرب عالمية ثالثة، لكن هل وقف القتال يضمن عدم اندلاعها؟ روسيا لا تتحدث عن وقف إطلاق النار، بل عن “إنهاء الحرب” بشروطها، مما يهدد الأمن القومي لدول مثل بولندا ومولدوفا. بل إن تقارير الاستخبارات الألمانية تحذر من احتمال مواجهة مباشرة بين ألمانيا وروسيا، لأن الأوروبيين لا يريدون التخلي عن أوكرانيا دفاعًا عن أمنهم القومي، وليس حبًا بزيلينسكي.
لو أن أوكرانيا احتفظت بترسانتها النووية ولم تتخلَّ عنها في اتفاقية بودابست عام 1994، لما وصلت إلى هذا الحال. الاتفاقية، التي وُقِّعت بين أوكرانيا والقوى الكبرى (أميركا، روسيا، بريطانيا)، قدمت لكييف ضمانات أمنية مقابل تفكيك برنامجها النووي، لكن النتيجة كانت أن روسيا ضمت القرم في 2014، ثم دخلت في حرب مفتوحة مع أوكرانيا.
الإيرانيون، على سبيل المقارنة، تعلموا الدرس جيدًا، ورفضوا توقيع أي اتفاق نووي جديد مع إدارة بايدن، لأنهم يدركون مدى تقلب السياسات الأميركية مع تغير الرؤساء. مضوا قدمًا في برنامجهم النووي، بينما اعتقد ترامب أن انسحابه من الاتفاق السابق وخنق إيران اقتصاديًا سيجبرها على التراجع. تلك كانت نصيحة نتنياهو، الذي ذهب إلى البيت الأبيض عام 2018 حاملاً أرشيف إيران النووي الذي سرقه الموساد، لكنه في النهاية لم يمنع طهران من تجاوز عتبة تخصيب اليورانيوم.
وسط هذه الفوضى الدولية، يبدو أن فلاديمير بوتين هو المستفيد الأكبر – ولو مؤقتًا. انسحاب الدعم الأميركي عن أوكرانيا سيمنح موسكو فرصة أكبر لتثبيت مكاسبها على الأرض، بينما تعيد أوروبا حساباتها. لكن في لعبة السياسة الدولية، لا توجد انتصارات دائمة، والتاريخ وحده سيحكم على من خسر ومن ربح في النهاية
