لا يمكن إنقاذ لبنان إذا استمر الحزب في الاعتقاد بأنه وحده من يفرض إيقاع البلد وكأن نتائج الحرب مسألة تعنيه وحده. الاتفاق الذي خرج من رحم الحرب الهمجية لم يكن خيارًا، بل فرضته موازين القوى. لم يكن الحزب وحده من اضطر لقبوله، بل الدولة اللبنانية بأسرها، التي رضخت له دون تفاوض. واليوم، يُطلب من الدولة أن تتحمل التبعات السلبية لهذا الاتفاق، بينما يسعى الحزب إلى التنصل من أي مسؤولية.
ما حدث ليس تفصيلًا يمكن تجاوزه بخطاب تعبوي، بل نكبة أصابت حياة الناس وأمنهم ومستقبلهم. إنكار الهزيمة لن يعيد المهجّرين إلى قراهم، ولن يعيد بناء البيوت، ولن يعوض عن الجراح التي لا تزال تنزف في كل منزل وكل قرية وكل حارة. لكن الأخطر أن ما جرى لم يقتصر على القتل والتدمير، بل بات يهدد التماسك الاجتماعي والاقتصادي للقرى الأمامية المدمرة. النزوح الجماعي، والدمار، وانهيار الدورة الاقتصادية، جعلت هذه المناطق على شفا تفريغ كامل من سكانها.
هل يملك الحزب إجابة واضحة عن الهدف من هذه التحركات؟ هل يستطيع أن يطالب الدولة بعدم تنفيذ الاتفاق؟ أم أنه يبحث عن طريقة لتخفيف خسائره في ظل ميزان قوى لم يعد لصالحه؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما هو البديل؟ وكيف سيتم التعامل مع تداعيات الحرب على الأرض؟ من سيتحمل كلفة إعادة الإعمار، ومن سيدفع ثمن إعادة بناء القرى التي دمرت؟ وهل هناك خطة واضحة تضمن عودة الأهالي، أم أن المشهد سيتكرر كما حدث في أزمات سابقة حيث بقيت المناطق الحدودية رهينة الإهمال والانتظار؟
صحيح ان المشكلة ليست في الاتفاق فحسب، بل في أن الحزب لا يزال يتحرك بعقلية “الدويلة” المهيمنة على الدولة، التي أصبحت خطرًا على البلد وعلى أهل الجنوب والبقاع والضاحية طالما ان الدولة هي الوحيدة القادرةة اليوم على التحرك من أجل فرض انسحاب العدو إطلاق مسار إعادة الاعمار. لذلك. الدولة مطالبة بتحمل مسؤولياتها، لكن ليس ضمن سياق المزايدات أو الحشر في الزاوية أو التشكيك الاستباقي بقدرتها على فرض سيادتها. الحل لا يكون في صراع بين الدولة والحزب، بل في إعادة فرض الدولة كإطار جامع، حيث لا تبقى المؤسسات رهينة حسابات ضيقة تُدار من خارجها.
لم يعد هناك متسع من الوقت للمكابرة. المماطلة لن تغير شيئًا، بل ستجعل كلفة التصحيح لاحقًا أكثر قسوة. الحزب مطالب بأن يتكيف مع مصلحة الناس والبلد، وليس العكس. المعادلة التي يجب أن تسود هي معادلة اولوية انسحاب العدو واعادة الاعمار والعودة المستدامة، وأن تتقدم بالتالي على كل ما عداها.
