منذ توليه منصبه بشكل رسمي في العشرين من يناير الماضي وقع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب 350 أمراً تنفيذياً تنوعت مواضيعها وتباينت بشكل كبير إبتداءً من فرض تعرفات جمركية على عدد من الدول حتى الغاء استخدام مصاصات الورق والعودة لاستخدام مصاصات البلاستيك !
وهو الأمر الذي يطرح سؤالاً حول الصلاحيات الدستورية الواسعة التي يتمتع بها رئيس الولاليات المتحدة الأمريكية في أصدار الأوامر التنفيذية، فالأوامر التنفيذية هي آداة دستورية تستند إلى امادة 2 من الدستور الأمريكي، يستخدمها الرئيس في توجيه عمل الإدارات الفيدرالية دون الحاجة الى الرجوع للكونغرس!
وعلى الرغم من ذلك فهي آداة مقيَّدة وليست مطلقة، فهي مقيدة بأن يتم استخدماها ضمن حدود القوانين والتشريعات النافذة، أي أنها لا تملك قوة أن تلغي تشريعاً أو تنشيء آخر، وهي مقيدة أيضاًبإمكانية الطعن فيها من الكونغرس نفسه أو من المحكمة العليا او من المحاكم الفيدرالية إذا رأت فيها معارضة لقوانين نافذه، أو تجاوزاً للسلطات الدستورية للرئيس.
والأوامر التنفيذيه للرئيس لها استخدمات متنوعة جداً سواء في السياسة الداخلية او الخارجية، فهي تستخدم لتوجيه الإدارات الفيدرالية حول كيفية تنفيذ القوانين، وإدارة وتنظيم عمل الوكالات الفيدرالية بما في ذلك تعيين أو إقالة المسؤولين عنها أو تعليق أعمالها أو ايقافها (كما فعل ترامب مع USAID)، بالإضافة الى استخدامها في السياسية الخارجية مثل فرض عقوبات على دول أو كيانات أو ابرام أو الغاء اتفاقيات خارجية (مثل فرض رسوم جمركية على كندا والمكسيك)، كما تستخدم أيضاً في حالات الطوارئ عند الحاجة لتخصيص موارد أو تعبئة قوات.
كل هذه الصلاحيات تمنح للرئيس المنتخب بنسبة تزيد قليلاً عن 50% من الشعب الأمريكي وفق نظام انتخابي لا يزال يعتمد طريقة الإنتخاب غير المباشر، مما يثير تساؤلات جدية حول الديمقراطيةبصورتها اليوم ومدى تمثلها للمعنى الأصيل للكلمة اليونانية التي تعني أساساً (حكم الشعب)، وهو ما يمثل أحد أوجه أزمة الديمقراطية اليوم وخصوصاً (الديمقراطية التمثيلية) غير المباشرة، التي جاءت أستثناءً على الأصل، فالأصل بالديمقراطية أن تكون مباشرة ولكن الصعوبات اللوجستية التي (كانت) تعترض عملية أخذ رأي كل الشعب في قرارات السلطة هي التي بررت اللجوء ألى الشكل غير المباشر للديمقراطية والمسماة ب“الديمقراطية التمثيلية“ التي تقوم على فكرة انتخاب ممثلين للشعب يتولون السلطة باسم الشعب.
أقول أن هذه الصعوبات اللوجستية (كانت) موجودة بالفعل ولكنها اليوم مع التقدم التكنولوجي الهائل في وسائل الإتصال أصبحت هذه الصعوبات من الماضي إذ يمكن باستخدام التكنولوجيات المتقدمة أن يتم اشراك كافة أفراد الشعب في عملية صنع القرار أو التشاور بشأنه على الاقل باستخدام منصة اليكترونية تتيح ذلك.
مما يعني أن إمكانية تطبيق (الديمقراطية المباشرة) اليوم أصبحت متاحة، فلماذا الإستمرار في الإستثناء، وعدم الرجوع للأصل، إلا إذا كانت الطبقات المحتكرة للتمثيل السياسي، (وهي بالضرورة من تمتلك الثروة والسلطة)، هي التي تتعامى عن هذه الحقيقة وهي التي لا تريد التغيير، أو العودة الى الأصل، لأنها ببساطة ستفقد امتيازاتها فوراً.
