يتميّز لبنان باعتباره نموذجا” فريدا” في المنطقة ، يتشكّل نظامه من هياكل سياسية واقتصادية متشابكة في صلب بنيته الطائفية ، مما ينتج اقتصادا” قائما” على المحاصصة والزبائنية بدلا” من التخطيط الوطني القائم على معايير الكفاءة.
أدّت هذه الديناميات إلى تفاقم التجاذبات السياسية والطائفية التي سيطرت على الإقتصاد الوطني مما أعاق تطوره وأضعف قدرة الدولة على تحقيق الإستقرار المالي والإجتماعي .
جذور الإقتصاد السياسي للطائفية في لبنان
ترجع جذور الإقتصاد الطائفي في لبنان إلى العهد العثماني ، حيث كانت كل طائفة تتمتّع بامتيازات إقتصادية وإجتماعية خاصة بها ،واستمرّ هذا النهج في ظل الإنتداب الفرنسي ،ثم ترسّخ بعد الإستقلال مع اعتماد النظام السياسي على المحاصصة الطائفيةالتي ترسخت منذ اتفاق الطائف عام ١٩٨٩.
بفعل هذا النموذج شكلت الطوائف أحد أهم الفواعل في توزيع الموارد الأساسية وأصبحت الدولة أداة لتفاقم وكسب النفوذ بين القوى الطائفية ما أدى إلى ظهور إقتصاد ريعي زبائني يعتمد على الولاءات الطائفية التي تتغذى من التمويل الخارجي بدلا” من إقتصاد يرتكز على الكفاءة والاستدامة.
مظاهر الإقتصاد السياسي للطائفية
يتجلى الإقتصاد السياسي للصراعات الطائفية في لبنان من خلال عدة مظاهر رئيسية أبرزها:
-الزبائنية السياسية والتحكم بالموارد المالية: مع إضعاف فاعلية دور الدولة ، طوّرت الطوائف شبكات إقتصادية طائفية موازية (مصرفية ،خيرية وتجارية ) وجعلت من المؤسسات الرسمية والإدارات العامة بيئة خصبة للتوظيف السياسي مقابل الولاء، ما أدّى إلى تضخم القطاع العام وتراجع الإنتاجية وضعف سلطة الدولة أمام نفوذ القوى الطائفية والتي كان أبرز سماتها التلويح بالتعطيل عند كل إستحقاق وطني في ظل الاحتكار الوزاري لبعض الوزارات السيادية لصالح زعماء الطوائف .
-الإقتصاد الموازي: يشكّل التهريب عبر الحدود أهمّ القنوات الإقتصادية غير الرسميّة التي تتحكم بها الأحزاب الطائفية والذي تسبب باستنزاف موارد الدولة وتعزيز إقتصاد موازٍ يفاقم الفوارق الإقتصادية بين الطوائف والمناطق ويهدد أمن الدول المجاورة كما هو الحال عليه على الحدود الشرقية.
-التفاوت في التنمية الإقتصادية: تعاني المناطق اللبنانية من معضلة الإنماء غير المتوازن ويرجع ذلك إلى تقاسم الإقتصاد اللبناني لصالح القوى الطائفية الذي يتغذى من المساعدات الدولية الخارجية ما يجعله إقتصادا” خاضعا” لتوازنات إقليمية ودولية على حساب التنمية الداخلية المتوازنة .
تداعيات الإقتصاد الطائفي على لبنان
أدّى الإقتصاد السياسي القائم على الطائفية إلى عدّة تداعيات خطيرة منها:
-إضعاف مؤسسات الدولة وتفشي الفساد: حيث باتت الدولة عاجزة عن العمل بفاعلية بسبب هيمنة الطوائف على القرار الإقتصادي والسياسي وفقا” لما يتناسب مع مصالحها ،الأمر الذي أدّى إلى هدر المال العام وسوء الإدارة حيث أصبح توزيع الموارد قائم على الولاء بدلا” من الكفاءة.
-إرتفاع معدلات الفقر والبطالة: تجلى ذلك بوضوح مع الإنهيارالمالي والإقتصادي منذ العام ٢٠١٩ ، حيث انهار سعر صرف العملة الوطنية إلى أدنى مستوياته، وأثبتت السياسات الطائفية فشلها في تحقيق أي إستقرار إقتصادي. في حين تستمرّ النخب الطائفية في حماية مصالحها بالرغم من محاولات إعادة بناء الدولة ومؤسساتها.
-هروب الإستثمارات : حيث أدّى عدم الإستقرار السياسي والأمنيإلى هروب الأموال وتعطيل المشاريع الإنتاجية وتكبيد الإقتصادخسائر فادحة آخرها حرب أيلول ٢٠٢٤ .
نحو إقتصاد سياسي مستدام
لحلّ أزمة الإقتصاد السياسي للنزاعات الطائفية في لبنان لا بدّ من :
-إصلاح النظام السياسي وتعزيز المؤسسات الوطنية : بعيدا” عن المحاصصة ليصبح قائم على المواطنة بدلا” من الطائفية .
-إصلاح النظام المصرفي والمالي: بعد ما تمّ استغلاله لأغراض سياسية وطائفية أدّت إلى انهياره
-تنويع الإقتصاد وتشجيع القطاعات الإنتاجية : من خلال دعم القطاعات الإنتاجية والصناعة الوطنية بدلا” من الاعتماد على الإقتصاد الريعي والتمويل الخارجي .
-تفعيل القوانين الإقتصادية : لمكافحة الفساد وتعزيز الشفافية في توزيع الموارد.
ختاماً؛ يمثّل الإقتصاد السياسي للصراعات الطائفية في لبنان تحديا” رئيسيّا” أمام بناء دولة مستقرة تسعى إلى تحقيق تنمية مستدامة .إنّ تفكيك هذا النّموذج يتطلّب إرادة سياسية حقيقية وإصلاحات جذريّة تعيد بناء الدّولة على أسس وطنية بعيدا” عن المحاصصة ولا تشكّل تهديداً ” لأي قوى نافذة، مما يساهم في تحقيق مستقبل إقتصادي أكثر إستدامة لا تشكل فيه الطائفية شمّاعة لتبرير المحاصصحة وتكريس النفوذ ما يولد حلقة مفرغة من الأزمات ويمنع فرص الإصلاح الحقيقي و يبقي لبنان قابعا” في دوامة الإنقسام والتراجع.
