الصين والغرب وإشكاليات الاسثثمار في القارة الأفريقية

إن تمدد نفوذ الشركات عبر الوطنية الصينية عالمياً لا يخرج عن سياق الأهداف الاستراتيجية التي تعتمدها الدولة الصينية في تأمين مجالها الحيوي الاقتصادي والسياسي. وبالتالي، تعكس السياسات الاستثمارية الرؤية الصينية في كيفية تحقيق غايات سياسية واقتصادية بعيدة المدى. وعليه، يبدو أن النفوذ الاستثماري الصيني في القارة الأفريقية هو بمثابة تحول جيوسياسي سوف يقلب العديد من الموازين العالمية الاقتصادية والسياسية. فمن حيث المبدأ يتضح إن نسق استراتيجيات الاستثمار لدى الشركات الصينية قائم على جعل الصين قوة اقتصادية وسياسية وعسكرية عالمية.
فالاستثمارات الصينية وسّعت نطاق أعمالها في كافة انحاء القارة، وحجم التجاره بينهما يزداد بوتيرة متسارعة جداً، إذ تعمل هناك حالياً أكثر من 10000 شركة صينية، وهي تنشط في كافة القطاعات(التكنولوجيا،البنية التحتية،التعدين،الزراعة،المعادن النادرة،الطاقة الخضراء..الخ). وكذلك يقدر عدد المواطنين الصينيين في أفريقيا بحوالي مليوني نسمة وهم أكبر جالية أجنبية تقطن القارة.
وبالتالي، ونتيجة لتزايد النفوذ الاستثماري الصيني بات من الواضح وجود تنافس صيني_غربي داخل أفريقيا، حيث هنالك علامات استفهام جدية ومخاوف جيوسياسة لدي الغرب حول تداعيات تلك الاستثمارات الضخمة التي تدخل ضمن الرؤيه السياسية للدولة للصينية. ويمكن لنا الاستدلال على ذلك التنافس من خلال تتبع محاولة الغرب العمل على مواجهة مبادرة الصين والتي تسمى”الحزام والطريق” أو طريق الحرير الجديد، خاصة في شقها الأـفريقي.

وعليه، وبناء على هذا التنافس الاستراتيجي( الذي يرتكز على مبدأ تجاوز المواجهات السياسية والاقتصادية التقليدية) لم يعد يمكن تجاهل كثير من الإشكاليات التي تتمحور حول محاولة الغرب إقحام قضايا التنمية المستدامة(الحوكمة والشفافية ومكافحة الفساد، المعايير البيئية، حقوق الإنسان..الخ)، في ذلك الصراع أو التنافس، وذلك عبر توجية الاتهامات والانتقادات اللاذعة للاستثمارات الصينية بعدم التزامها وامتثالها بمعايير التنمية المستدامة في أفريقيا. وهنا يمكن طرح التساؤلات المنطقية التالية:
  • ما هي أبعاد الاتهامات الغربية للصين على مستوى انتهاك استثماراتها في أفريقيا لمعايير التنمية المستدامة وحقوق الإنسان؟
  • هل نحن أمام مقاربات سياسية للاستثمارات الصينية أكثر من كونها مقاربات قائمة على كيفية المساعدة في تحقيق التنمية المستدامة( بكافة أبعادها) في القارة الأفريقية؟ انطلاقاً من التسليم بفرضية أن هذه الاستثمارات لا تخرج عن حيّز المنافسة بين الصين والغرب، يجب علينا لفت الانتباه لإشكالية البعد السياسي في الانتقادات الغربية للاستثمارات الصينية من زاوية إغفالها معايير التنمية المستدامة والتوسع بشكل خاص في الدول الفاشلة في القارة الأفريقية.
    وهذه الإشكالية تتضح للعيان من خلال تتبع التشديد على اعتماد المعايير البيئية الصارمة والالتزام بالحوكمة المستدامة التي تحاول الدول الغربية فرضها على كثير من الدول، وذلك بهدف محاولة الحد من القدرة والقوة الاقتصادية والاستثمارية الصينية. فعلى سبيل المثال يتم استغلال سياسات التنمية المستدامة التي تركز على تقليل الانبعاثات ولانتقال للطاقة النظيفة للحد من توسع الصناعات الثقيلة في الصين والدول النامية التي تعتمد عليها لتحقيق نمو اقتصادي سريع. بينما تواصل الدول المتقدمة احتكار التقنيات المتقدمة الخاصة بالطاقة النظيفة، مما يعزز سيطرتها الاقتصادية والتكنولوجية. باختصار، يبدو من الواضح وجود استغلال سياسي واقتصادي لمفاهييم التنمية المستدامة باعتبارها أداة يمكن من خلالها تحجيم توسع النفوذ الصيني في القارة الأفريقية. حيث للأسف، أصبحت في كثير من الأحيان تستخدم كوسيلة ضغط من قبل الدول المتقدمة لتعزيز مصالحها وتقويض النمو السريع للدول النامية والصاعدة، مما يساهم في إبطاء وتيرة صعودها الاقتصادي والسياسي. على نور ما تقدم، يجب عدم حجب النظر عن استراتيجيات بعض الدول القائمة على استخدام مفاهيم التنمية المستدامة والحوكمة والشفافية من أجل تحقيق مآرب سياسية. وهذا الأمر يفتح الباب على مصراعيه وبشكل جدي لطرح جدلية كيف بات يتم استغلال كل تلك المفاهيم على المستويات الاقتصادية والسياسية لمواجهة تنامي النفوذ الصيني العالمي وتحديداً في القارة الأفريقية.