“عشت كابوس”، “ضربوني حامي”، “عذبوني وضربوني حامي”، “بعرفش كيف بقدرش أوصفلك”، بهذه الكلمات وصف الأسير بدر دحلان البالغ من العمر 30 عامًا، والمفرج عنه حديثًا من سجون الاحتلال، بعد أن قضى 30 يومًا من الاعتقال، إجرام إسرائيل بحق الأسرى الفلسطينيين.
صورته التي تناقلتها وسائل الإعلام عقب الإفراج عنه “جاحظ العينين، جسدٌ منهك لم يترك موضعٌ فيه إلّا وعذّب، صدمة نفسية عميقة، تلعثم بالحديث”، هزت المجتمع الفلسطيني بأكمله، ومن لديه ضمير إنساني. صورةٌ لا يمكن للعقل البشري أن يستوعبها، ولا يمكن لصاحب ضمير حي أن يتلاشاها. فمن لم يرَ عذابات الفلسطينيين في سجون المحتل الإسرائيلي بإمكانه أن يشاهدها الآن في عيني بدر.
إن صورة الذين أطلق سراحهم، ومن بينهم بدر، ودون الحاجة إلى الحديث عما عانوه، خلال فترة اعتقالهم، تقدم شهادة حيّة ومروّعة عن الإجرام الإسرائيلي الممارس بحقهم، هذا الإجرام الذي فاق ما جرى في معتقلي أبو غريب في العراق، وغوانتنامو في كوبا. ثمة فارق وحيد هو أن ما جرى في هذين المعتقلين، وتحديدًا الصور التي نشرتها وزارة الدفاع الأمريكية “البنتاغون” في السادس من شباط عام 2016 والتي أظهرت التعذيب الوحشي الذي مورس بحق المعتقلين العراقيين آنذاك، هزت العالم، ولاقت تنديدًا واستهجانًا واسعين، بينما أصاب العالم ذاته العمى عما جرى ويجري للأسرى الفلسطينيين في كافة سجون الاحتلال، خاصةً “سدي تيمان” سيئ السمعة.
قاعدة حقل اليمن، أو “سدي تيمان” العسكرية التابعة لسلاح الجو الإسرائيلي، تقع في صحراء النقب بالقرب من بئر السبع، أسسها البريطانيون في الحرب العالمية الثانية. بعد السابع من أكتوبر 2023، حولها المحتل الإسرائيلي لأكبر معتقل لاحتجاز الغزيين، وصارت كابوسًا للفلسطينيين، فيها قُتل الغزيون، وامتُهنت كرامتهم، وشهد المعتقلون برامج تعذيب وحشي لا تقل فظاعة عما جرى في معتقل أوشفيتز النازي.
هل لكم أن تتخيلوا كيف يقبع الفلسطيني فيه؟ بالتأكيد لا. سأرصد لكم جزءًا مما قاله الأسرى المفرج عنهم من أردأ سجن، ومما نقله المحامي خالد محاجنة الذي تمكن أن يزورهم ويطلع على أهوال ما يتعرضون له. فيه الأسرى عُراة، يتعرضون للكم والركل والضرب بالهراوات والصدمات الكهربائية وأعقاب البنادق، وهم مقيدو الأيدي ومعصوبو الأعين. في مسلخ “سدي تيمان” اغتُصب ستة أسرى، وآخرون تعرضوا لاعتداءات جنسية. لحظة! ألم يروج المحتل لرواية مشابهة! ولكنها كاذبة وملفقة في آن. ورغم نفيها من المصدر ذاته صدقها المجتمع الغربي وبعض المتخاذلين من العرب، وما زالوا يرددونها حتى يومنا هذا!
هل ستأخذ رواية الفلسطينيين الصادقة ذات الزخم؟ لا أعتقد، لكن سنرى. في محرقة “سدي تيمان”، بُترت أطرافهم، وحُقنت أجسادهم بمواد مجهولة، حُرموا من النوم. في “غوانتنامو النقب” يُشبَحُ الأسرى لساعات طويلة، ويقتلون جوعى.
سأطرح عليكم سؤالًا، هل بإمكانكم الاستحمام في دقيقة؟ أكاد أجزم أنكم لا تستطيعون، أريد أن أفاجئكم.. الأسرى القابعون في “سدي تيمان” فعلوها، ليس لأنهم يرغبون في ذلك، بل لأن الجيش الأكثر إجرامًا في العالم لم يتح لهم وقتًا أكثر، لذلك؛ فإن الدقيقة في حياة الفلسطيني مهمة وفارقة.
في الحقيقة، لم يحرك دمُ أكثر من 100 ألف فلسطيني بين شهيد وجريح ضمير العالم، فهل سيلقي بالًا لعذباتهم! لا بأس، سيقول الدم الفلسطيني كلمته يومًا، وسيحاسَبُ المحتل ولن يكن حسابًا عاديًا.
أما المحايدون، فأذكركم بما قاله الشاعر الإيطالي دانتي أليغييري “أسوأ مكان في الجحيم مخصصٌ لأولئك الذين يبقون على حيادهم في زمن المعارك الأخلاقية الكبرى”، وأنتم انظروا في عيني “بدر” سترون جحيم الفلسطينيين على مدار 76 عامًا، لعل ذلك يوقظ شيئًا فيكم.
